بقلم احمد_عثمان_جبريل
في السياسة الدولية، لا تُقاس الأخطار بما يُقال، بل بما ثبت أنه ممكن.. وحين تُمارس القوة بلا مقدمات، ثم تُشرح لاحقًا بتغريدة من موقع قرار، فذلك يعني أن العالم دخل طورًا جديدًا لا تُجدي فيه البلاغة ولا تنفع فيه المناورات القديمة.. من هنا، لا يُقرأ تصريح مسعد بولس في (منصة إكس) امس بوصفه موقفًا، بل بوصفه “إعلان قواعد مرحلة” وعلى من يعنيهم الأمر أن يستعدوا لنتائجها لا لتفسيرها.
يقول عبد الرحمن بن خلدون:
❝ من عجز عن قراءة التحوّل، ظنّ الثبات أمانًا، فإذا به أول الهالكين. ❞
(1)
التغريدة التي كتبها مسعد بولس جاءت بعد واقعة لا تحتمل الجدل: “رئيس دولة يُؤخذ من غرفة نومه، دون حصار لغوي أو تفاوض دبلوماسي.. من هذه الزاوية، لا تكون كلمات بولس تهديدًا، بل (تعليقًا توضيحيًا على ما بات مقبولًا في سلوك القوة العظمى). الفعل أولًا، ثم الشرح لمن لم يفهم.
(2)
الخطأ القاتل الذي يرتكبه بعض القادة هو الاعتقاد بأن رفضهم لهذا النمط من السياسة يعفيهم من آثاره.. وأنا هنا من الإنصاف أن أؤكد بأنني لا أتفق لا أخلاقيًا ولا سياسيًا مع (البلطجة الترامبية) ولا أرى فيها نموذجًا عادلًا أو مشروعًا، لكن (المهنية تفرض الاعتراف بأنها واقعٌ فاعل، لا رأيًا قابلًا للتجاهل).
(3)
في هذا الواقع، يقف البرهان عند مفترق مصيري.. ليس لأنه مستهدف بذاته، بل لأنه اختار أن يبقى في محطة واحدة، يرفض مغادرتها، ويصرّ على إدارة الدولة بعقلية التحالف الموارب مع الإسلاميين، تحت وهم أن الواجهة العسكرية كافية لإعادة تدوير مشروع سقط شعبيًا و سياسيًا وأُدين دوليًا.
(4)
الإسلاميون، من جهتهم، يخطئون إن ظنّوا أن الاختباء خلف الجيش يمنحهم حصانة زمنية. فالتجربة الدولية تقول إن “من يُصنَّف خطرًا بنيويًا لا يُستهدف بشعاراته، بل بتفكيك مظلته”.. وحين تُرفع المظلة، لا ينجو من تحتها أحد، مهما اختلفت الأدوار.
(5)
التنبؤ هنا ليس قفزًا في الهواء، بل قراءة لمسار واضح: طالما أصرّ البرهان على البقاء في محطته، وطالما أصرّ الإسلاميون على استخدامه جسرًا للعودة، فإن المصير سيكون (مشتركًا لا منفصلًا).. لن تُفرّق القوة الخارجية بين واجهة ومن يقف خلفها، بل ستتعامل مع الكتلة بوصفها خطرًا واحدًا متعدد الوجوه.
(6)
قد يظن البرهان أن الوقت يعمل لصالحه، وأن تعقيد المشهد السوداني يردع التدخل الحاسم. لكن رسالة فنزويلا تقول العكس تماما :”التعقيد لم يعد عائقًا، بل مبررًا للتجاوز”.. وكلما طال التردد، ارتفع ثمن القرار حين يأتي من الخارج.
(7)
لذلك؛ النتيجة المتوقعة، إن استمر هذا المسار، ليست تسوية ولا شراكة، بل:( بل بس على الطريقة الترامبية – كسرًا سياسيًا حادًا: عزلة، ثم تضييق، ثم لحظة يُفرض فيها الحل من خارج الحسابات المحلية).. عندها، لن يكون السؤال من المخطئ، بل من الذي رفض النزول من القطار حين أُعطي الفرصة.
في خاتمة القول حري بنا أن نقول: هذا بلاغٌ للبرهان.. لا يصدر عن شماتة، ولا عن تماهٍ مع منطق القوة الغاشمة، بل عن قراءة متأنية لواقع قاسٍ.
من يرفض مغادرة محطته، سيصل إلى وجهته حتمًا..لكن ليس بالمسار الذي اختاره، ولا بالثمن الذي ظنّ أنه قادر على دفعه. إنا لله ياخ.. الله غالب.



