بكري_الجاك يكتب : حول الكتلة الحرجة ذات مشروعية التمثيل العريض كحجة لاضعاف العمل المدني و افقاده المشروعية
بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021 و الذي قطع الطريق أمام الانتقال و مهد السبيل للحرب الضروس التي تدمر البلاد الآن و تهدد الأقليم كنت قد تحركت مع بعض الفاعلين في المجتمع المدني للقاء بعض المنظمات الدولية و الدبلوماسية و لاحظت حينها أن بعضهم بدأ يكرر سردية البرهان بأن سبب الانقلاب هو اختلافات المدنيين و أنه ليس طامعا في السلطة وما إلى ذلك من الهراء الذي كذبته الأيام، ما قلته في وقتها أن مشكلة مشروعية التمثيل التي خلقت بعد زخم ثورة ديسمبر سيكون سببا في إضعاف القوى المدنية و معايرتها بأنها غير منتخبة و كأن المجلس العسكري كان منتخبا أو أنه فوق السؤال أو مفوض الهيا. أن الحديث عن وحدة المدنيين هي سراب يقصد به افقاد أي حراك مدني مشروعيته بحجة أنه لا يٌحظي بتمثيل كافي و كنت اقول أنه مهما تكونت كتلة حرجة سيأتي من يقول إنكم لم تشملوا فلان أو الجهة الفلانية و جوهر الفكرة هي افقاد القوي المدنية مشروعية التمثيل و بالتالي تثبيت شرعية الانقلابيين. للأسف بوعي أو بجهل انخرطت بعض القوى المدنية في محاولة اكتساب شرعية التمثيل بواسطة الطعن في شرعية جهات مدنية أخري و كنت قد اسميت هذا الفعل في الماضي السباق إلى الحضيض Race to The Bottom والسبب في هذه التسمية المفاهيمية أن بحث الفاعلين السياسيين و الاجتماعيين عن شرعية التمثيل يتم عبر التشكيك في شرعية الآخرين حتي وصلنا الي مرحلة لا شرعية لأي فاعل و كنت قد أطلقت عن هذه الحالة التي سبقت الحرب و الاطاري العجز البنيوي المؤسسي أو ما يعادل Structural Institutional Inertia وهي مرحلة تجعل الكل عاجز أن القيام بأي حراك لأنه سيكون محل اتهام وتشكيك من من المفترض أنهم في معسكر دعم الانتقال المدني و لكنه محل احتفاء من قبل الشموليين من تحالف المال والسلطة لأن مشروعية هؤلاء لا تستمد من بناء قاعدي ولا انتخاب بل فقط بالسيطرة على جهاز السلطة و شغل الآخرين بقضايا التمثيل و مشروعيته.
بعد الحرب تغير السياق السياسي و لكن فكرة تنظيم قوى مدنية في كتلة حرجة ضد الحرب ومع استعادة مسار الانتقال المدني الديمقراطي كانت حاضرة منذ اليوم الأول و مع تصاعد الحرب والانتهاكات تراجع الناس بسبب الخوف للبحث عن النجاة و بالضرورة الانتكاسة إلى الانتماءات الأولية من قبيلة و عشيرة و لم يعد الفكر و الايدولوجيا و المصالح التي هي أساس قيام مجتمع مدني حديث كخطوة متقدمة على القبيلة والطائفة والعشيرة التي هي أكبر خطر على الدولة السودانية اليوم مع ربط التمثيل بالسلاح. و أصبحت العوامل المحركة لتموضع الناس من الحرب و أطرافها هي الموقع الاجتماعي (اثنية و جغرافية و طبقة بالمفهوم العريض) والمصلحة المباشرة و تصورات الناس عن من المتسبب في الأذى. و ايضا تعالت الأصوات بتكوين كتلة مدنية حرجة ضد الحرب، و حتى هذه الدعوات لم تسلم من نفس الجدل القديم حول مشروعية التمثيل، بل و بشيء من قصر النظر ذهب البعض إلى التشكيك في قدرة القوى السياسية و الاجتماعية المنظمة ووصفها بأنها نخب و أنها لا قواعد لها و أصبح هناك ترديد لهذه الحجة داخليا و خارجيا. داخليا دعمت هذه الحجة لأنها تخدم سردية عدم وجود كتلة مدنية ذات شرعية تمثيلية و وجود قاعدي وهذا يعطي أصحاب السلطة مشروعية الأمر الواقع، و خارجيا أتي الدعم في صيغة تصور أنه بالفعل يمكن أن تقوم شبكات قاعدية تعبّر حقيقة عن مصالح القواعد و المجتمعات المحلية و يمكن أن تقوم هذه الصيغ باشكال تنظيمية بالاصالة و أن تكون غير نخبوية و قد سمعت عشرات الحوارات و السمنارات عن هذه التصورات التي للأسف طٌلرحت وكأن الوجود القاعدي يتعارض مع بناء القوى السياسية والاجتماعية المنظمة أو افتراض أن هذه القوى ليس لها جذور ضاربة في هذه البنى القاعدية. في تقديري أن المبررات النظرية في البحث عن التمثيل بالأصالة في الوجود القاعدي موضوعية و مقبولة لكنها أصبحت كلمة الحق التي تخدم باطل الداخل اللاهث إلى إضعاف القوى المدنية و إظهارها بأنها لا وجود قاعدي لها و هي تصادر حق الناس في تمثيلهم و الحديث باسمهم و قد وجه لي هذا السؤال بالذات مئات المرات في لقاءات تلفزيونية وغيرها والهدف الكلي هو افراع الفضاء السياسي من أي قوي لها رؤى مغايرة و من ثم الطعن في مشروعية وجودها وتمثيلها حتى يصبح المشروع الوحيد البديل هو مشروع تحالف المال والسلطة من بقايا نظام الإسلاميين و حلفائهم الجدد من داعمي سردية الدفاع عن الدولة صد العدوان.
المؤسف حقا أن الكثير من الفاعلين في المجتمع المدني و السياسي وقعوا ضحايا هذا التشكيك الممنهج من الداخل و الخارج و بدلا من القبول بحقيقة أن فكرة كتلة مدنية حرجة هي فكرة نبيلة لكنها سراب و أنه ليس لها تعريف واضح بمعنى متى تكون حرجة و بأي معايير هل بالتأثير أم بالعدد أم بماذا؟ و هذا لا يعني أن فكرة توسيع وتفعيل اي عمل جبهوي ضد الحرب هي فكرة غير صحيحة بل العكس، و لكن فكرة أن الإجابة على سؤال مشروعية التمثيل تتم بفكرة أننا الآن أصبحنا كتلة حرجة هو السراب بعينه فكل ما كبرت هذه الكتلة سيقولون لك أنها مازالت بلا قواعد و مازالت نخبوية و لا شرعية لتمثيلها القواعد و عليه يصبح حتى مجرد ترديد مثل هذا القول كوسيلة لإثبات الشرعية هو اضعاف للقوى المدنية المنظمة التي لها رؤى وأطروحات و أنشطة و برامج و أهداف. والخطر الآخر هو في استمرار الخارج في البحث عن هذه القوى القاعدية التي ستحضر اصحاب المصالح بالاصالة و لا الوكالة التي تحدث عبر الانتخاب كآلية للتمثيل و التفويض، و هذا ايضا سراب و أي باحث في مجال ما يعرف ب ال Subaltern Studies أي دراسة تاريخ و تجارب المجموعات المهمشة يعرف ذلك بداهة. أي أن هناك درجات وطبقات في الوجود الاجتماعي مثل قشرة البصل كلما ادعي التمثيل أنه وصل طبقة أو قشرة سيكون محل سؤال للقشرة التي تليها و هكذا. هذا لا يعني بأي حال أنه لا ضرورة لقيام أجسام قاعدية وصيغة تمثيلية تعبر تعبر عن مصالح هذه المجموعات و لكن تصور أن هناك وضع مثالي أو أن هذا الوضع بالضرورة هو في حالة تضاد مع النخب فهذا هو المعيار الخاطيء الذي سيجعل الوصول إلى هذه الصيغة مجرد سراب او في افضل الاحوال Normatives. طبعا مفهوم أن جزء من أسباب هذه الظاهرة هو القلق الإنساني العادي في التجريب والبحث خصوصا أن الناس تحاول أن تقوم بما يمكن أن يؤثر ولكن من المهم للقوى الفاعلة في المجال المدني معرفة حدود وقدرة تأثيرها في ظل عسكرة الحياة السياسية و أن لا تمارس الحملة المستمرة لجلد الذات بافتراض أن إبداع صيغ جديدة للتنظيم ستغير في الواقع أو النتائج و هذا يعكس حالة الإحباط و القلق أكثر منه فهم موضوعي يسعى للاشتباك مع الواقع و مقاربته.
خلاصة القول أنه من المهم التفكير بشكل دؤوب والبحث بشكل مستمر في وسائل تفعيل العمل المدني ضد الحرب و الشمولية التي تتخلق في ثناياها الآن ومن المهم البحث عن سبل توسيع دائرة المشاركة السياسية و تمثيل أصحاب المصالح و العمل على بناء “كتلة حرجة” و لكن الأهم أن لا نقوم بذلك على حساب أضعاف ما لدينا من أجسام أو التشكيك في شرعيتها كحجة لقيام شيء أكثر فاعلية و أكبر حجما و أنجع تأثيرا، علينا أن نتجنب ما يعرف ب Shooting Self on the Foot أو ضرب الأرجل في أطار البحث عن وسائل تنظيم حراك أكثر فاعلية. أيضا يجب أن نتذكر أنه لا يوجد تعريف معرفي موضوعي لفكرة “الكتلة الحرجة” قبل حدوثها و بنتائجها تقاس لا بشروط قيامها، و أن نتجنب قبول منطق الشموليين في أن الشرعية تكتسب بواسطة الكثرة الظاهرية فهو بعينه ما سيجعل أنه كلما اقتربت منها سيقولون أنك لا تمتل شرعية بعد و هكذا حتي بالفعل تفقد كل القوى الفاعلة شرعية وجودها وتصبح الساحة مجرد سوق للمبادرات التي تبدأ بدوافع نبيلة و تنتهي إلى هزيمة الذات بدلا من هزيمة الحرب و محاصرة الشمولية.



