الإنسان المعاصر بين الإعلام والسيكولوجيا: تحليل نفسي واجتماعي وسياسي لتأثير الأخبار والصراعات .
بقلم .. الرشيد امبدي ابوبكر
في زمن السرعة الرقمية، يعيش الإنسان المعاصر داخل دوامة من الصور والمقاطع والأخبار المتدفقة بلا انقطاع. لم يعد المتلقي ينتظر نشرة التاسعة أو صحيفة الصباح، بل صار الحدث يقتحم وعيه في لحظته، عبر شاشة الهاتف أو إشعار عاجل من تطبيق إخباري أو تغريدة مجهولة المصدر. هذا الانغماس المستمر في تدفق المعلومات، خاصة السياسية والعسكرية منها، أحدث تحولات عميقة في البنية النفسية والاجتماعية للإنسان، بل امتدت آثاره إلى الجسد ذاته، كما تؤكد تقارير طبية حديثة.
أولاً: البعد النفسي – القلق الجمعي و”إرهاق الأخبار”
تصف دراسات علم النفس الإعلامي ظاهرة “إرهاق الأخبار” (News Fatigue) بأنها حالة من التوتر المزمن الناتج عن التعرض المفرط للأخبار السلبية، خصوصاً تلك المتعلقة بالحروب والكوارث. يشعر الفرد بأنه محاصر بالعنف والدمار، حتى وإن لم يكن طرفاً مباشراً في الصراع.
تؤدي هذه الحالة إلى اضطرابات في النوم، وتراجع القدرة على التركيز، وارتفاع معدلات القلق والاكتئاب. وقد أظهرت دراسة أجرتها جامعة بنسلفانيا أن متابعة الأخبار السياسية العنيفة بشكل يومي ترفع مستويات هرمون الكورتيزول في الدم، وهو الهرمون المسؤول عن التوتر، مما ينعكس على الجهاز العصبي والمناعي.
في هذا السياق، يصبح الإنسان المعاصر كائناً يعيش في “حالة طوارئ نفسية دائمة”، إذ يتماهى مع صور الضحايا والمآسي، ويشعر بالعجز أمام ضخامة الأحداث. هذا العجز يولّد ما يسميه علماء النفس بـ”اللامبالاة الدفاعية” (Defensive Apathy)، وهي آلية لا شعورية لحماية الذات من الانهيار النفسي عبر التجاهل أو الانسحاب من المتابعة.
ثانياً: البعد الاجتماعي – تفكك الجماعة وتضخم الذات الرقمية
من الناحية الاجتماعية، أحدثت وسائل الإعلام التقليدية ثم السوشيال ميديا انقلاباً في مفهوم الجماعة والانتماء. فبدلاً من العلاقات الواقعية القائمة على التفاعل المباشر، نشأت مجتمعات افتراضية تتشكل حول المواقف السياسية أو الأيديولوجية.
تغذي هذه المنصات ما يسميه علماء الاجتماع بـ”فقاعات الرأي” (Echo Chambers)، حيث يتلقى الفرد فقط ما يؤكد قناعاته، فيتراجع الحوار وتتسع الفجوة بين المجموعات المختلفة.
كما أن السوشيال ميديا منحت الأفراد سلطة رمزية غير مسبوقة، إذ صار كل مستخدم “مصدراً” للأخبار، بغض النظر عن دقّتها. هذا التحول أضعف الثقة في المؤسسات الإعلامية التقليدية، وخلق حالة من “الفوضى المعرفية” (Epistemic Chaos)، حيث تختلط الحقيقة بالوهم، والمعلومة بالتحريض.
في ظل هذه الفوضى، تتآكل الروابط الاجتماعية القائمة على الثقة، ويحل محلها شعور بالريبة والانعزال، ما يؤدي إلى تراجع التضامن الجمعي، خاصة في أوقات الأزمات الوطنية أو الإقليمية.
ثالثاً: البعد السياسي – صناعة الوعي وتوجيه الإدراك
من منظور سياسي، لم تعد وسائل الإعلام مجرد ناقل للخبر، بل أصبحت أداة لتشكيل الوعي وتوجيه الإدراك الجمعي. فالتغطيات المباشرة للحروب والصراعات تُبنى وفق أجندات محددة، تُبرز ما يخدم مصالح القوى الفاعلة وتُغيب ما سواه.
تُستخدم الصور والمقاطع القصيرة كأدوات للتأثير العاطفي، حيث يتم استدعاء الخوف أو الغضب أو التعاطف لتوجيه الرأي العام. وهكذا يتحول المتلقي من مواطن حرّ إلى “مستهلك عاطفي” للسياسة، يتفاعل مع المشهد لا مع المضمون.
تؤكد دراسات في علم الاتصال السياسي أن هذا النمط من التغطية يؤدي إلى “تسييس العاطفة” (Politicization of Emotion)، حيث تُستغل المشاعر الجماعية لتبرير قرارات سياسية أو عسكرية. ومع تكرار التعرض لهذه الرسائل، يتشكل ما يمكن تسميته بـ”الوعي المبرمج”، الذي يختزل الواقع في ثنائيات حادة: خير وشر، نحن وهم، ضحية وعدو.
رابعاً: البعد العضوي – الجسد تحت ضغط الإعلام
لم يعد تأثير الإعلام مقتصراً على النفس والعقل، بل امتد إلى الجسد ذاته. تشير تقارير طبية إلى أن التعرض المستمر للأخبار الصادمة يرفع معدلات ضربات القلب وضغط الدم، ويزيد احتمالات الإصابة بأمراض القلب والسكري.
كما أن الاستخدام المفرط للشاشات، خاصة قبل النوم، يؤدي إلى اضطراب إفراز هرمون الميلاتونين، مما يسبب الأرق المزمن. وقد ربطت دراسات بين الإفراط في متابعة الأخبار عبر الهاتف المحمول وبين تراجع جودة النوم بنسبة تصل إلى 40%.
بهذا المعنى، يصبح الجسد نفسه ساحة لصراع غير مرئي بين الإنسان والإعلام، حيث تتحول المعلومة إلى عامل بيولوجي يؤثر في كيمياء الدماغ والجهاز العصبي.
خامساً: نحو وعي نقدي جديد
أمام هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى بناء وعي نقدي إعلامي (Media Literacy) يتيح للإنسان التمييز بين المعلومة والتحريض، وبين الخبر والتحليل.
يتطلب ذلك إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والإعلام، بحيث يستعيد المتلقي دوره كفاعل واعٍ لا كمستهلك سلبي. كما ينبغي للمؤسسات التعليمية والإعلامية أن تدمج التربية الإعلامية في مناهجها، لتنشئة جيل قادر على التعامل مع سيل المعلومات بعقلانية واتزان.
المراجع والمصادر (بالإنجليزية)
McNair, Brian. An Introduction to Political Communication. Routledge, 2018.
Nabi, Robin L., and Mary Beth Oliver (eds.). The SAGE Handbook of Media Processes and Effects. SAGE Publications, 2009.
American Psychological Association. Stress in America: Coping with Change. APA Report, 2017.
Newman, Nic et al. Reuters Institute Digital News Report 2023. University of Oxford, 2023.
Twenge, Jean M. iGen: Why Today’s Super-Connected Kids Are Growing Up Less Rebellious, More Tolerant, Less Happy—and Completely Unprepared for Adulthood. Atria Books, 2017.
Gerbner, George et al. The Mainstreaming of America: Violence Profile No. 11. Journal of Communication, 1980.
World Health Organization. Mental Health and COVID-19: Early Evidence of the Pandemic’s Impact. WHO Report, 2022.
Selye, Hans. The Stress of Life. McGraw-Hill, 1976.
بهذا التحليل، يتضح أن الإعلام والسوشيال ميديا لم يعودا مجرد أدوات لنقل الواقع، بل أصبحا جزءاً من تكوينه النفسي والاجتماعي والسياسي والعضوي. فالإنسان المعاصر يعيش داخل شبكة من التأثيرات المتبادلة، حيث تتقاطع المعلومة مع العاطفة، والسياسة مع الجسد، في مشهد إنساني معقد يحتاج إلى وعي نقدي متجدد ليحافظ على توازنه في عالم مضطرب.



