الباشا طبيق
إن ما جرى اليوم فيما سُمّي بـ”محكمة مكافحة الإرهاب” في بورتسودان يمثل نموذجًا واضحًا للأثر الكارثي لانهيار
المؤسسات العدلية على تحقيق العدالة وإنفاذ سيادة القانون. فحينما تفقد المؤسسات القضائية استقلاليتها وحيادها، تتحول العدالة من قيمة سامية إلى أداة تُستخدم لتصفية الحسابات السياسية وتبرير المواقف المسبقة.
لقد ظهر القائمون على هذه المحكمة في مؤتمر صحفي أقرب إلى المسرحية الدرامية منه إلى إجراء قضائي رصين، وكأن كاتب الرواية هو ذاته المتهم الحقيقي، يختار أبطال القصة، ويحدد الجاني والمجني عليه، ثم يصدر الأحكام وفقًا للرواية التي صاغها مسبقًا. فالأحكام لا تُبنى على الوقائع الثابتة والأدلة القانونية المعتبرة، وإنما على معلومات وادعاءات يحيط بها الكثير من الجدل والتشكيك حول مصداقيتها وصحتها.
والأخطر من ذلك أن الجهة التي قدمت هذه الروايات والمعلومات هي ذاتها المتهمة بالتخطيط للأحداث وصناعة ظروفها وتغذية أسبابها، الأمر الذي يثير تساؤلات جوهرية حول الحياد والنزاهة وتضارب المصالح. فكيف يمكن أن يكون الخصم هو الشاهد والمحقق والقاضي في الوقت نفسه؟ وكيف يمكن تحقيق العدالة في ظل غياب الضمانات القانونية الأساسية واستقلال المؤسسات العدلية؟
إن مثل هذه المحاكمات لا تسهم في إحقاق الحق أو إنصاف الضحايا، بل تمثل محاولة لتزييف الوقائع وإعادة صياغة الأحداث بما يخدم أهدافًا سياسية محددة. كما أنها تكرس حالة الانقسام وفقدان الثقة في مؤسسات الدولة، وتُضعف من هيبة القضاء الذي يفترض أن يكون الملاذ الأخير لتحقيق العدالة وحماية الحقوق.
إن العدالة الحقيقية لا تتحقق عبر المؤتمرات الصحفية أو الأحكام المعدة سلفًا، وإنما عبر قضاء مستقل ومحايد يلتزم بالمعايير القانونية المعترف بها، ويمنح جميع الأطراف حق الدفاع والمحاكمة العادلة. أما في ظل انهيار المؤسسات العدلية وتسييس القضاء، فإن مثل هذه الإجراءات لا تعدو كونها محاولات لتضليل الرأي العام وصرف الأنظار عن المسؤولين الحقيقيين، وتقديم رواية أحادية تسعى إلى تبرئة الفاعل الحقيقي وإدانة خصومه سياسيًا وإعلاميًا.
ويبقى تحقيق العدالة مرهونًا بإعادة بناء مؤسسات عدلية مستقلة وقادرة على أداء دورها بعيدًا عن الضغوط السياسية والتوظيف الإعلامي، لأن العدالة لا يمكن أن تقوم على الانتقائية أو الروايات الموجهة، وإنما على الحقيقة المجردة وسيادة القانون.



