الأعمدة

إحياء اتفاقيتي جدة والمنامة وتقليب دفاترهما القديمة!

لا أحد في رأسه ذرة عقل، ولا في قلبه نبضة حياة، ولا في وجدانه عاطفة إنسانية، يمكن أن يرفض الدعوة إلى الحوار السوداني، بعد أن بات هذا الوطن الجريح مهدداً بأن يكون أو لا يكون، جراء حرب أكلت أخضرَه ويابسَه، وجعلت شعبه المنكوب بأزماته التاريخية أصلاً، مشتتاً في دروب النزوح الداخلي المذل، واللجوء إلى شتى بقاع الأرض، القريبة منها والبعيدة.
غير أن السؤال المحوري الذي يفرض نفسه عند التمعن في حقيقة الدعوة التي تتبناها سلطة الأمر الواقع الحالية هو: ما أولويات هذا الحوار؟
فإذا كانت الجهات المعنية به هي الفعاليات السياسية المدنية، ومختلف التشكيلات والتنظيمات الأهلية، وأهل الطرق الصوفية، وبعض الواجهات الدينية، وغيرها من العناصر التي تمثل، بصورة نسبية، قطاعات من الشعب وتنوعه السياسي والاجتماعي والجهوي، فهل تكون أولى مهامها البحث عن الوسائل المثلى لإيقاف الحرب؟
إن إيقاف الحرب، في تقديري، ليس المهمة الأولى لهذه الفعاليات المدنية، وإنما هو مسؤولية مباشرة تقع بالدرجة الأولى على قيادات الأطراف التي تتقاتل في الميدان.
أما الحوار المدني، فله مهام أخرى لا تقل أهمية، تبدأ بإعادة صياغة الفترة الانتقالية، والترتيب لمستقبل الحكم، وقبل ذلك كله تشريح جذور أزمات البلاد ومعالجتها، على الأقل منذ قيام دولة 1956، كما يسميها أصحاب المظالم، تلك الأزمات التي عصفت بالبلاد طويلاً وقسمتها، وجعلت أتون الحروب فيها لا ينطفئ في طرف حتى يشتعل في جزء آخر.
غير أن ما رشح من أخبار حول مهام المبادرة الحوارية يشير إلى أنها ستقوم بالتنسيق مع اللجنتين الخماسية والرباعية لإحياء اتفاقيتي مبادئ جدة والمنامة، اللتين أقرهما الطرفان المتحاربان، لكنهما وُئدتا كلتاهما في المهد، قبل أن تحبوا أي منهما خطواتها الأولى في مضمار الجدية والالتزام.
وذلك نتيجة تمنع هذا الطرف، أو تحفظ ذاك الطرف، في معادلة عسكرية مختلفة الأهداف ومضطربة المرامي، حتى بلغت الحرب الحالية مرحلة يمكن وصفها بـ توازن الضعف، بعد أن عجز كل طرف عن حسمها لمصلحته.
لكن المنطق يقول: إذا كان المقصود فعلاً إحياء بنود تلك الاتفاقيات، فالأجدى أن يواصل طرفاها العسكريان التفاوض حول ما تبقى في دفاترهما القديمة، وأن يعيدا قراءة ما سبق الاتفاق عليه، لا أن يُحمَّل الحوار المدني ما ليس من اختصاصه.
فالأمر هنا أشبه بمراجعة حسابات تاجر أفلس، فعاد يقلب دفاتره القديمة، ويتحرك لتحصيل ديون زبائنه، في محاولة لتعويض ما لحق بتجارته من خسارة نتيجة تفريطه في إدارة علاقاته بهم.
ولذلك، فإن إيقاف الحرب يجب أن يكون مسؤولية الأطراف العسكرية نفسها، وأولوية أخلاقية ووطنية قصوى، قبل أي حديث عن ترتيبات سياسية أو اقتسام للسلطة أو إعادة تشكيل لمشهد الحكم.
أما مهمة الحوار المدني ـ المدني، فينبغي أن تأتي في الخطوة التالية، بعد نجاح مهمة إيقاف إطلاق النار، بأي صيغة ممكنة تقلل من تكلفة الحرب عسكرياً ومدنياً، وتمهد لما بعدها من خطوات سياسية ووطنية أوسع.
وإلا فإن انطلاق فعاليات الحوار، مهما كثرت أطرافه أو اتسعت قاعته، سيصبح امتداداً لما سبقه من حوارات كانت تدور في فلك اقتسام السلطة، بينما يظل أصل الداء قائماً، فنعود مرة أخرى إلى مربع «اللا سلم واللا حرب».
وعندها سنظل ندور في الحلقة ذاتها، وكأننا، كما يقول المثل الشعبي:
«يا زيد لا رحنا ولا جئنا»!
والله المستعان، وهو من وراء القصد.

زر الذهاب إلى الأعلى