
ضياء الدين محمد أحمد
في جلسة مجلس الأمن الدولي المنعقدة بتاريخ 13 فبراير 2026 حول تطورات الأوضاع في السودان، قدّم المجتمع الدولي واحدة من أكثر الشهادات وضوحًا على حجم الكارثة التاريخية التي يعيشها الشعب السوداني اليوم. فقد عكست الإحاطات الرسمية وتقارير الأمم المتحدة صورة مأساوية لدولة تتعرض لتفكك شامل بفعل حرب مدمرة تقوم على القتل الجماعي، والتطهير الإثني، وتدمير الاقتصاد، وانهيار شروط الحياة الأساسية، بينما تقع النساء في قلب هذه المأساة بوصفهن الفئة الأكثر استهدافًا والأكثر هشاشة في آنٍ واحد.
لقد أكدت التقارير الأممية أن السودان يشهد أكبر أزمة نزوح في العالم حاليًا، حيث يشكل النساء والأطفال ما يزيد عن ثلاثة أرباع النازحين، كما وثّقت منظمات حقوقية دولية انتشارًا واسعًا للعنف الجنسي الممنهج، واستخدام الاغتصاب كسلاح حرب، إلى جانب وقوع مجازر جماعية في مناطق متعددة خاصة في دارفور، تحمل سمات جرائم إبادة جماعية وفق توصيفات القانون الدولي. ويكشف هذا الواقع أن الحرب لا تستهدف السيطرة العسكرية فقط، بل تسعى إلى تدمير المجتمع نفسه عبر ضرب قاعدته الحياتية، أي النساء اللواتي يشكّلن العمود الفقري لإعادة إنتاج الحياة الاجتماعية والاقتصادية.
ولا يمكن فهم هذه الجرائم بمعزل عن البعد الاقتصادي للحرب، إذ تشير تحليلات الاقتصاد السياسي إلى أن ما يجري يمثل عملية إعادة تشكيل عنيفة للاقتصاد السوداني عبر عسكرة الدولة وتحويل مواردها إلى اقتصاد حرب قائم على النهب والسيطرة المسلحة على الذهب والأراضي والموارد الاستراتيجية. وقد أدى ذلك إلى انهيار الإنتاج والخدمات، وارتفاع غير مسبوق في معدلات الفقر، وانعدام الأمن الغذائي، وتضاعف وفيات الأمهات، وتحول ملايين النساء إلى ضحايا للجوع والتشرد وفقدان مصادر العيش. إن الترابط بين القتل الجماعي والتدمير الاقتصادي واستهداف النساء يكشف أن الحرب في السودان هي حرب ضد المجتمع نفسه.
وفي هذا السياق، فإننا نؤكد أننا لم نثر قضية النساء السودانيات اليوم استجابة لحدث طارئ فقط، بل ظللنا نطرحها منذ وقت مبكر باعتبارها القضية الأكثر تعبيرًا عن طبيعة هذه الحرب. فقد دعونا باستمرار إلى وضع مأساة النساء في مركز الاهتمام الوطني والدولي، انطلاقًا من إدراكنا أن استهداف النساء يعني استهداف المجتمع كله. واليوم، بعد أن أصبحت هذه الحقيقة مؤكدة في تقارير مجلس الأمن نفسه، يتأكد أن صوتنا كان سابقًا في التحذير من الكارثة وفي المطالبة بتدويل القضية النسوية السودانية.
ولهذا فإننا نجدد مناشدتنا لكل المنظمات النسوية السودانية والديمقراطية والحقوقية أن تجعل من اليوم العالمي للمرأة منبرًا عالميًا لقضية المرأة السودانية، ليس بوصفها قضية تضامن إنساني فقط، بل بوصفها قضية عدالة تاريخية ترتبط بجرائم حرب وإبادة جماعية وتدمير اجتماعي شامل. كما نناشد الحركات النسوية العالمية، وعلى رأسها الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي، أن تتبنى هذه القضية بشكل مباشر وأن تنقلها إلى ضمير العالم، لتكون في قلب القضايا التي يجب الدفاع عنها اليوم.
إن ما تتعرض له النساء السودانيات يمثل واحدة من أكبر المآسي في التاريخ المعاصر من حيث حجم العنف وشموله واتساع آثاره الاجتماعية والاقتصادية، ولذلك فإن الصمت الدولي لم يعد مجرد تقاعس سياسي، بل أصبح عاملًا يسمح باستمرار الجرائم وتفاقم الكارثة. إن النساء السودانيات لا يدافعن عن أنفسهن فقط، بل يدافعن عن بقاء المجتمع ذاته، وعن حق شعب كامل في الحياة، ولهذا فإن تحويل قضيتهن إلى قضية عالمية عاجلة يمثل واجبًا أخلاقيًا وإنسانيًا وتاريخيًا لا يحتمل التأجيل.



