الأعمدة

الكهنوتُ لدى جماعةِ ما يُسمّى بـ الحركة الإسلامية السودانية وشركائِهم… حين يُحتكَرُ الدينُ وتُصادَرُ السماءُ

محمد الفاتح حضرة
📜🧐 مدخلٌ تأريخيٌّ…
🫟منذ فجرِ التاريخِ لم يكنِ الاستبدادُ السياسيُّ يعملُ وحده…
كان له دائمًا شريكٌ يقفُ خلفَ العرشِ: الكهنوت.
في حضاراتِ وادي النيلِ، وبلادِ الرافدينِ، وأوروبا في عصورها الوسطى، كان رجالُ الدينِ يمسكون بمفاتيحِ السماءِ في أعينِ الناس.
لم يكونوا مجرد مفسّري نصوصٍ مقدسة، بل صُنّاع شرعية الملوك، وموزّعي الغفران، ومحدّدي مصائر الحروب.
في أوروبا، بلغ نفوذُ الكنيسة الكاثوليكية ذروته في العصور الوسطى؛
كان البابا يملك أن يُتوّج ملكًا… أو يعزله بحرمانٍ كنسيٍّ يهزّ عرشه.
لم يكن الملك يحكم بالسيف وحده،
بل بـ”مسحةٍ مقدّسة” يمنحها له رجل الدين.
ومع تراكم الفساد، وثراء رجال الكنيسة، وتحالفهم مع الطغاة، بدأ التمرّد.
ظهرت حركات الإصلاح الديني، ثم تبلور لاحقًا الفكر العلماني الذي دعا إلى فصل شؤون الحكم عن المؤسسة الدينية —
لا عداءً للدين،
بل حمايةً له من التسييس،
وحمايةً للدولة من الكهنوت.
هكذا وُلدت فكرة الدولة المدنية…
من رحم صراع طويل بين العرش والمحراب.
🛑 لكن… هل كان العالم الإسلامي بمنأى؟
عقديًا، الإسلام لا يعرف كهنوتًا؛
لا وسيط بين العبد وربه، ولا عصمة لبشر.
لكن التاريخ شهد — في فترات مختلفة — صعود طبقات من الفقهاء والمشايخ تحوّلوا إلى سلطةٍ موازية،
يمنحون الشرعية للحاكم،
أو يبررون سياساته،
مقابل امتياز ونفوذ.
ومن هنا ظهر في وعينا الشعبي مصطلح “تجار الدين”.
🧐 وفي السودان، ليست الظاهرة جديدة.
عندما ظهر محمد أحمد المهدي في القرن التاسع عشر، استثمر العاطفة الدينية في مجتمع متديّن بطبعه، فحشد الجماهير تحت راية “المهدية”.
ثم جاء خليفته عبد الله التعايشي فتماهت البيعة الدينية مع الطاعة السياسية، واختلطت الدعوة بالحكم.
لم تكن المسألة روحانية خالصة،
بل مشروع سلطة كامل يستند إلى الشرعية الدينية لتثبيت الحكم والسيطرة على الموارد.
والفكرة واحدة عبر العصور:
احتكار تمثيل الدين
تسخير العاطفة الدينية
تقديم المشروع السياسي باعتباره “واجبًا شرعيًا”
🛑 وهنا نصل إلى حاضرنا…
الكهنوتية ليست حادثة تاريخية بعيدة،
بل صفة ملازمة لكل استبداد حين يتدثر بالدين.
لسنوات طويلة بنت جماعة ما يُسمّى بـ الحركة الإسلامية السودانية مشروعها على احتكار تمثيل الإسلام في الفضاء العام.
ربطت بين الولاء السياسي والتدين،
حتى بدا وكأن معارضتها تعني معارضة الإسلام ذاته.
شعارهم غير المعلن:
“ما نعلم لكم من دين إلا على طريقتنا”.
🧐 يسخرون من إسلام الآخرين،
يطعنون في الصوفية،
يهاجمون السلفية إن لم تخضع لهم،
ويسخرون من المجددين كما فعلوا مع أنصار محمود محمد طه.
حتى الدكتور عبد الله حمدوك لم يسلم من التشكيك في تدينه.
وكأن الإسلام بطاقة عضوية…
لا شهادة أن لا إله إلا الله.
ليسوا دعاة إيمان بقدر ما هم طلاب سلطة.
فالدعوة توسّع الصدر،
أما الكهنوت فيحوّل الدين إلى أداة استعلاء.
🛑 اللحظة التي أرعبتهم حقًا…
كانت في ساحة القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية
إبان اعتصام الثورة السودانية.
آلاف الشباب يصلّون في العراء.
يقرأون القرآن.
يصومون ويُفطرون جماعة.
ويهتفون للحرية والسلام والعدالة.
هنا انهار الاحتكار.
سقطت رواية “نحن وحدنا أهل الدين”.
فبدأت حملات التشويه.
ثم جاءت المجزرة.
ولم يكتفوا بالرصاص…
جاءوا بالبوهية.
محوا الجداريات.
طمسوا الرسومات.
حاولوا قتل الفكرة بعد قتل الجسد.
لكن الذاكرة لا تُمحى بطلاء.
🔥 جيل ديسمبر لم يكن حدثًا عابرًا،
بل لحظة وعي تاريخية.
أدرك أن الدين أكبر من حزب،
والوطن أكبر من جماعة،
وأن الطريق إلى الله لا يمر عبر بوابة تنظيم سياسي.
المعركة لم تكن على السلطة فقط،
بل على من يملك الحديث باسم الله.
إما أن تكون حارسًا لمعبد السلطة،
أو حارسًا لقيم الحرية والعدالة.
✊ وما دام في السودان من يرفض احتكار السماء،
فإن الكهنوت إلى زوال…
ولو ظن أصحابه أنهم باقون.
✍️ محمد الفاتح حضرة
🧭 3 مارس 2026
#السودان
#لا_للكهنوت
#الدين_ليس_حزباً
#ثورة_ديسمبر
#الوعي_أقوى 🔥✊

زر الذهاب إلى الأعلى