بدون شك، فإن سقوط عدد من المسيرات على مناطق متفرقة في وسط البلاد، وما رافق ذلك من قلق متزايد بين الناس، يمثل تطوراً بالغ الخطورة، لا سيما في هذه المرحلة التي بدأت فيها موجات العودة الطوعية للسودانيين من دول الجوار، مدفوعة بشيء من الطمأنينة التي رافقت النداءات المشجعة على العودة إلى المناطق التي باتت أكثر أمناً، وفي مقدمتها مدن العاصمة الثلاث وتخومها المترامية.
فحتى إن لم تتبنَّ أية جهة بصورة معلنة مسؤوليتها عن تلك الهجمات، فإن تحديد المصدر، وإن كان مهماً من الناحية العسكرية، ليس هو القضية الأكثر إلحاحاً في هذا المنعطف الحساس من عمر الحرب التي طال حريقها، وتناثرت شظاياها في أكثر من اتجاه.
فقد اختلط حابل المشهد المرتبك بنابله، ولم يعد حتى أذكى المحللين العسكريين قادراً على التنبؤ بالطريق الوعر الذي تمضي فيه أطراف النزاع بهذه البلاد، بعد أن أحرقوا ثياب سترها بإصرار لا يبدو معه واضحاً تماماً إلى أين تتجه الحرب، وما هي الغايات النهائية التي يمكن أن تنتهي إليها!
ولعل ما يزيد المشهد تعقيداً ذلك الاختلاط الذي طرأ على ميادين القتال، فلم يعد أحد يستطيع أن يقرأ بوضوح ما آلت إليه تحالفات الأمس داخل هذا المعسكر أو ذاك، الأمر الذي فتح الباب واسعاً أمام التكهنات حول الجهة التي انطلقت منها تلك المسيرات، وأسباب وصولها إلى مناطق كانت تُعد، حتى وقت قريب، أبعد نسبياً عن دائرة الخطر المباشر.
وقد بادرت بعض المنصات الداعمة للقوات المسلحة إلى توجيه الاتهام نحو الدعم السريع، بينما ذهبت منصات أخرى إلى احتمالات مختلفة، من بينها أن تكون الهجمات قد جاءت من جهات كانت محسوبة في وقت سابق على دائرة الصداقة أو الدعم للجيش، في ظل ما أثير من خلافات وتصريحات ومواقف متباينة خلال الفترة الأخيرة.
ومهما يكن من أمر هذه التكهنات، ومهما صحت بعض الروايات أو جانبها الصواب، فإن الحكمة تقتضي ألا ننشغل في هذه اللحظة بما يزيد مساحة الشك والاتهام بقدر انشغالنا بما يوقف نزيف الوطن.
فالمسألة لم تعد في تقديري مجرد مسيرات تسقط هنا أو هناك، ولا في معرفة اليد التي أطلقتها فحسب، وإنما في الخطر الأكبر الذي تترجمه هذه التطورات على حياة المدنيين، وعلى إحساس الناس بالأمان، وعلى فرص عودة الملايين الذين يتطلعون إلى العودة إلى ديارهم بعد سنوات من النزوح واللجوء.
فالعودة لا تُبنى على البيانات وحدها، ولا على الأمنيات، وإنما تحتاج إلى بيئة يشعر فيها المواطن أن بيته وشارعه ومدينته قد خرجت فعلاً من دائرة الحرب.
وإذا كانت المسيرات قد بدأت تفتح لنيران الحرب أبواباً جديدة في مناطق كانت تُرى باعتبارها أكثر أمناً، فإن ذلك يعني ببساطة أن استمرار الحرب نفسها أصبح أكبر تهديد لأي محاولة لاستعادة الاستقرار، وأكبر عائق أمام عودة الناس وإعادة بناء ما تهدم.
ولهذا فإن الحكمة، بغض النظر عن حقيقة هذه التكهنات من عدمها، تقتضي أن تتوقف الحرب اليوم قبل الغد؛ لأن مجرد إتاحة مساحة لالتقاط الأنفاس قد تكون هي الخطوة الأولى لفتح طريق السلام، ووضع كل الأسلحة أرضاً، والجلوس إلى طاولة لا يكون فيها الوطن غنيمة لطرف، ولا هزيمة لطرف، وإنما نجاة للجميع.
فقد طال العبث، وكثرت الضحايا، واتسعت دائرة الخوف، وأصبح استمرار الحرب لا يعني سوى المزيد من الخراب، والمزيد من النزوح، والمزيد من الأبواب المغلقة أمام وطن يحتاج إلى أن يستعيد أنفاسه قبل أن يبحث عن أي شيء آخر.
فإذا لم يبقَ بعد كل هذا العبث خيارٌ إلا إيقاف الحرب، فلا بديل إذن عن إيقاف الحرب.
والله المستعان.



