
رشا عوض
انتخب حزب البعث العربي الاشتراكي الاستاذ علي الريح الشيخ السنهوري أميناً عاماً جديداً له، خلفاً للراحل عزت إبراهيم الدوري، وذلك خلال أعمال مؤتمره القومي الثالث عشر الذي اختتم أعماله في لبنان بتاريخ 28 يناير2026.
تعليق:
عندما ينتخب العرب سودانيا لمنصب سياسي في مؤسسة عربية عابرة للحدود كحزب البعث العربي الاشتراكي ، فهذا مؤشر قوي لانهم في حالة ” يأس لا شعوري من جدوى هذه المؤسسة وفاعليتها وتأثيرها” ، فالسودان في المخيلة العربية بلد هامشي ، لا يسمح له بالقيادة ولا يعترف له بحضور اصيل في النادي العربي الا في اوقات استثنائية مأزومة يكون فيها اعضاء النادي الاصليين على خلاف ( مثلما حدث في قمة ١٩٦٧ بعد النكسة) او عندما يكونون في حالة يأس او زهد في مشروع او مؤسسة!
ولو ادرك السودانيون حقيقة وضعيتهم الهامشية هذه في الوقت المناسب لنجحوا في حماية بلادهم من كثير من الويلات بسبب اقحام انفسهم باندفاع اهوج في القضايا العربية.
فكرة البعث عندما ولدت في المشرق العربي كانت محاولة جادة وحقيقية لاستنهاض الشعوب العربية وتوحيدها في مشروع تحرري على اساس وحدة قومية في اطار علماني واشتراكي.
اذا كانت القومية العربية التي لها عدد من التيارات وعلى رأسها حزب البعث في المشرق العربي تشكل اطارا اوسع ومتقدم نسبيا لتوحيد الشعوب لانها تتجاوز الانقسام الديني “الاسلامي المسيحي” في الدول العربية، ومن ثم تكون عامل توحيد يجمع العربي المسلم بالعربي المسيحي في مشروع سياسي واحد، فان هذه الفكرة اي ” القومية العربية” في السودان تمثل اشكالية وعقبة في توحيد السودانيين! ببساطة لان الانقسام في السودان محوره ” هيمنة العنصر العربي او المستعرب على السلطة والثروة وتهميش غير العرب” فهل يعقل ان يأتي حزب يسمي السودان ” قطر السودان ” وتكون قيادته تابعة لقيادة قومية عربية في بغداد او دمشق؟ ويجعل من القومية العربية هوية سياسية تهدف لدمج السودان في كيان عربي عابر للحدود! في حين ان السودان يشتعل حربا في جنوبه وغربه ومن اهم اسباب الحرب الاحتجاج على التهميش السياسي والاقتصادي لاسباب عرقية!
هناك سؤال يحتاج الى اجابة وارجو من اصدقائي البعثيين – وهم بالمناسبة رجال ونساء على قدر كبير من الثقافة والوطنية والاخلاق الرفيعة، وتيار البعث في السودان عموما قدم رموزا فكرية وابداعية واعلامية مشرقة – ارجو منهم ان يجيبوا على سؤال : ما معنى ان تكون بعثيا في السودان بالذات؟
لقد اطلعت بالتفصيل على مساهمات الراحلين المحترمين الاستاذ عبد العزيز حسين الصاوي والاستاذ محمد علي جادين في النقد المنهجي لفكر وممارسة حزب البعث على المستوى القومي العربي وعلى المستوى السوداني ، وكانت نتيجة ذلك تكوين ” حزب البعث السوداني” وبكل اسف هذا البعث السوداني ابتلعه بالكامل جهاز الامن الكيزاني فاصبح حزبا “قوشيا ” بامتياز! ولا حول ولا قوة الا بالله! وهذا يدل على ان الفكرة الصحيحة كي تصمد في الواقع تحتاج لحامل مؤسسي قوي ومحصن من الاختراق! وهذا حديث ذو شجون!
بالعودة الى تجربة البعث في ” دول المنشأ” ماذا حدث عندما استولى حزب البعث على السلطة بانقلابات عسكرية في كل من العراق وسوريا؟
لقد سقطت تجربة البعث سقوطا مدويا:
من ناحية الوحدة ، فشل النظامان البعثيان في العراق وسوريا ليس فقط في وحدة عضوية تجمعهما بل فشلا في مجرد اقامة علاقة طبيعية بينهما ( كان العراق وسوريا زي الشحمة والنار) ، بالنسبة للاطار العلماني فقد تمزق تماما على يد نظام صدام الذي انتهى الى الحملات الايمانية وكتابة الله اكبر في العلم ودعوات الجهاد اثناء حرب الخليج الثانية والطائفية السنية والعشائرية القبلية! اما في سوريا فكان النظام في جوهره علويا حليفا لنظام الملالي وانتهى الى توريث السلطة،
والنظامان البعثيان العراقي والسوري استثمرا سياسيا في صناعة كل من القاعدة ودااعش لخوض صراعاتهما داخيا وخارجيا! في غفلة استراتيجية اضرت بوطنيهما وبالمنطقة.
وقمع النظامان العراقي والسوري شعوبهما بوسائل وحشية تمد لسانها لفكرة التحرر وتطرح السؤال: التحرر من ماذا؟ وهل في هذه الدنيا استعباد اغلظ من استعباد صدام حسين للعراقيين واستعباد الاسد الاب والابن للسوريين! هل الاستعمار نفسه قتل وعذب وشرد هذه الشعوب مثلما فعل نظام البعث؟
مآلات المشروع التحرري للبعث كانت ترحيب نسبة كبيرة من الشعب العراقي بالغزو الامريكي!
وعندما قبض الامركان على صدام حسين، وبرزت بعض الثعالب العروبية في شعار الواعظين للشعب العراقي بمواعظ وطنية تنهى عن الشماتة في صدام لانه زعيم وطني زجرهم الشاعر العراقي احمد مطر بقصيدته “حبيب الملاعين” قائلا:
ايا اوغاد!
انقيم علينا مأتما في ساعة الميلاد
وهل نأسى لعا- هرة لان غريمها القواد
وهل نبكي لكلب الصيد ان اودى به الصياد!
واختتم احمد مطر قصيدته قائلا:
دعونا نموت ببعده فرحا
وبالعبرات نقلب فوقه الصفحة
ونترك بعده الصفحات فارغة
لتكتبنا وتكتب نفسها الفرحة
كما بكى السوريون فرحا بسقوط بشار الاسد واستقبلوا بالزغاريد والاناشيد دااعشيا محمولا على ايدي امريكا وازرائيل! ولا اظن ان سوريا مقهورا سيكون مستعدا في لحظة خلاصه من نظام الاسد لسماع اي مواعظ تحذيرية من الامبريالية والصهhيونية!
ليس بسبب العمالة او نقص الوطنية ولكن بسبب ان هذه الانظمة قطعت السنة معارضيها حقيقة لا مجازا ( قطع اللسان بالسكين كان يتم في معتقلات العراق)! عبر المجازر الوحشية قطعت كل الايادي الوطنية التي ترفع رايات التغيير ! ولان التغيير من طبائع الاجتماع السياسي فانه حتما سيحدث ، والنظم التي تستعصي على التغيير بواسطة شعوبها لانها قادرة على قمعهم بوحشية سوف يأتيها التغيير من الامبريالية صاحبة القدرة الاكبر على القمع! مؤكد الامبريالية ليست فاعل خير وتحركها المصالح لا الاعتبارات الاخلاقية، ولكن ليس من المنطق او الاخلاق ان تقنع شخصا وقع في بئر عميق واوشك على الهلاك بان لا يمسك بحبل ممدود له لاخراجه من البئر لانه بعد ان يخرج سوف يتعرض لمخاطر تصل الى قتله! هناك احتمال بعد ان يخرج الى الهواء الطلق ان يجد فرصة للنجاة من المخاطر ولكن البقاء داخل البئر لا يعني سوى الهلاك المحقق!
بعد كل المآلات البائسة لتجربة البعث ، ما معنى ” قيادة قومية لحزب البعث العربي الاشتراكي” ما هو دور هذا الكيان في هذه اللحظة التاريخية؟
الاجابة المعلبة هي ان فشل التطبيق لا يعني فشل الفكرة ! يمكننا قبول ذلك اذا رأينا حالة قطيعة صارمة مع التطبيق الفاشل ورموزه وقياداته ، ولكن الاستاذ علي الريح السنهوري ابعد ما يكون عن حالة ” القطيعة مع التجربة البعثية الفاشلة والموقف النقدي من قيادات الفشل التاريخي” ، في كل ندوة من ندوات قوى الاجماع الوطني في السودان كان السنهوري يترحم على صدام حسين واصفا اياه ” بسيد شهداء العصر ” فهو من الحرس القديم في البعث.



