
رحاب مبارك سيداحمد
ان الذي يحدث لنا كسودانين يشهد الله قد ابكي الطيور في سمائها البعيدة، كيف لاتبكي وهي تشاهد بأم عينها ان سلة غذاء العالم قد تحول وعائها الذي كان يمتلئ بالغذاء الي اناء للجوع والفوضي.
السودان حاليا يشهد مراحل انهيار الدولة بجميع مستوياتهابعد ان شاعت الفوضي وعم الخراب وانتشر الفساد كل ارجاء البلاد ، وهذا الوضع الامني المواصل في التدرج في الانفلات وصل مداه البعيد الذي يؤكد مشاهد الانحراف والتدني التي ضاق بسببها الجميع ذرعا بالذي يحدث للوطن الحبيب من سقوط وتشظي.
وتتمظر مراحل الفوضي في عدة مشاهد راتبة ومتحولة ومتجددة فاقمت من المشكلة الامنية وطورت الوضع المتردي لاسوء حالاته خصوصا الامني والصحي والانساني ودعوني في هذا المقال اناقش هذه الاوضاع باستفاضة فيم يخص العاصمة والولايات .
(الوضع الامني)
الاوضاع الامنية حاليا بالفعل قد وصلت لحد الانهيار بعد ان عجزت حكومتي الامر الواقع في نيالاو بورتسودان من ادارة دولاب الدولة و انشغلتا بقضايا الحرب التي جعلت احتياجات المواطن ليست ذات اهميةو اولوية
في ظل انعدام الامن وانهيار مؤسسات العدالة التي اعياها التجيير السياسي وافقدها المصداقية والثقة وجعل المواطن يستعيض عنها بالاعتماد علي القبيلة والسلاح، وهما عنصرين اصبحا متوفرين وبكثرة بعد ان قسم خطاب الكراهية ابناء السودان الي قسمين (جلابة وابناء غرب) وانتشر التسليح في جميع السودان ومن طرفي النزاع بسبب انتشار دعوات الاستنفار والفزع.
وفي ظل البحث عن مشروعية الافلات من العقاب في حال ارتكاب الجريمة كان البحث عن الحصانة الاجرائية هي المنال الذي ظل يحوزه كل من (هب ودب) فقط بأنضمامه لاحد اطراف الحرب وارتدائة لاحد البدلات العسكرية التي تعرّفهما
لذلك انتشرت جرائم القتل والاغتصابات والنهب والسرقات وجرائم الاتجار بالبشر والاتجار بالسلاح وتجارة المخدرات بصورة ملحوظة حتي في الولايات الآمنة مثل كسلا والقضارف ومدني والدمازين وام روابة وامدرمان ونيالا والنهود وسنار.
كل هذه الولايات في الفترة سجلت عدد من الجرائم الكبيرة والمريعة في اوساط المدنيين كان الفاعلين الاساسين فيها يحملون السلاح بأسم الاستنفار والفزع وجميعهم افلتو من العقاب بسبب تحصنهم بالمؤسسات العسكرية التي يتبعون لها سواءكانت هذه المؤسسات تتبع للجيش ومليشياته او للدعم السريع وللحركات الممليشة التي تقاتل الي جانبه.
اما الفساد فظل هو البيدق الوحيد الرابح في اشاعة الفوضي في مدينة بورتسودان بصورة خاصة وعموم الولايات بعد ان قسم الفساد المدينة الي ثلاثة اقطاعيات (جيش / حركات/ كيزان)علي راس كل واحدة فيها رئيس لعصابة متخصص في نهب موارد الدولة ،فساد افقر المواطن وجعله يعيش علي الكفاف بعد ان انهكته الامراض واعيته الحيل في معالجتها فتري سكان الخرطوم والفاشر كالهياكل العظمية من الوهن والجوع والشاب اضحي شيبا من الهم والغم والعطالة والفلس.
كذلك نشطت تجارة المخدرات بصورة واسعة خصوصا في مدينتي كسلا ونيالا
حيث اصبحت المهنة الرسمية لشباب هاتين المدينتين هي ترويج المخدرات وتعاطيها بعد ان توفر مخدر( الكرستال) في ولايات الشرق بسبب الحدود المفتوحة بين كسلا وارتريا بجانب استخدام البحر الاحمر منفذا بحريا نشطا لتسريب حبوب الكبتاغون وغيرها
المخدرات في ولاية كسلا اصبحت تحدي مخيف يرعب اهالي المدينة بعد ان اصبح وسط كل عشرة شاب هنالك ثمانية مدمنين من مخدر خطر لايسهل معالجة ادمانه الا بدفع مبالغ طائلة لا حيلة للاسر بدفعهاو اصبحت مؤسسات الدولة الشرطية والصحية شاهدا متفرجا علي الدمار الممنهج في اوساط الشباب
بل واصبح علاج الادمان تجارة رائجة في ظل انعدام مؤسسات الدولة الحكومية للمعالجة
اما نيالا !!!
ففيها ينتشر مخدر( الترامدول) بصورة مخيفة وشرسة تغلغلت حتي في اوساط الاسر المتعلمة والمحافظة واجهز هذا المخدر حتي الفئات المتعلمه فأدمنه الطبيب والمهندس وطالب الجامعة بسبب وضع الحرب الذي ولّد اليأس وقتل الامل في ارواح الشباب.
الدعم السريع هو المسؤول الاول عن انتشار هذا المخدر القاتل بعد ان استجلبه الي المدينة محاربين الدعم السريع الذي اصبح الادمان ديندينهم في الحروب بعد ان قاتل اغلبهم في اليمن وليبيا وتشاد
وفي احد المرات استفسرت احد الشباب من ابناء المدينة عن سر ادمانه وقال في نيالا هنالك خيارين لنا في هذه الحرب ( اما تبقي دعامي او تبقي مدمن).
( الوضع الانساني)
وهو المحور الاكثر حزنا وايلاما في كل المشهد برمته بعد ان ضربت المجاعة اغلب مدن السودان وفقد الملايين مساكنهم واماكن اكل عيشهم واصبح السودان هو اكبر كارثة انسانية في العالم بعد ان قتل ابنائه وتشرد من تبقي في المنافي وبلاد اللجوء
ان ألوضع الانساني داخل ولايات السودان يشكل كارثة حقيقية بعد ان اصبح الجميع يعتمد علي التكايا والمطابخ التي تعمل حين وتغلق احيانا كثيرة، وضرب العوز والفقر بأطنابه كل مدن السودان التي اعتمدت يوميا وجبة وحيدة للغذاء تتوفر في مناطق وفي اخري تكون معدومة وتعرف السودانين علي الموت جوعا رغم البلد الحدادي مدادي وتناول بعضهم جلود الحيوانات وصفق الاشجار بسبب المجاعة.
اما لاجئ الخارج فقد تذوقو المر جرعات عديدة بعد اذلو داخل سجون مصر والتهمتهم وحوش اثيوبيا واغرقتهم مراكب السنبك في ليبيا وطردهم اهاليها من المنازل والمتاجر.
هذا كله بجانب قبضة بوليسية رعناء في الداخل تحاسب كل واحد علي ضعفه وتصفه (بالمتعاون) ولا تحاسب نفسها علي الخيانة والخذلان والانسحاب من المدن وترك مواطنيها للموت والجوع والاغتصاب.
(الوضع الصحي)
وهو اكبر التحديات اليومية التي تنهك في اجساد الشعب السوداني بسبب انتشار امراض الفقر من النقص الحاد في الدم والانيميا بسبب الجوع وانتشار للبعوض في كل المدن بكل انواعه ومسمياته مسببا لامراض الملاريا والضنك والحمي النزفية بجانب حمي التايفويد والكوليرا هذه الامراض ظلت تفتك بالمواطن طيلة سنين الحرب بسبب انهيار مؤسسات الدولة الصحية وتوقف عمليات الاصحاح البيئي وقصف الاعيان المدنية التي تقدم الخدمة
كذلك انتشرت امراض الحروب في وسط مدينة الخرطوم وبعض ولايات دارفور مثل العمي والعشي الليلي وضيق التنفس والمهاق الجلدي والاجهاضات بسبب استخدام الاسلحة الكميائية في هذه المناطق.
ان هذه الاوضاع الحالية الماثلة توضح بجلاء الفوضي الخلاقة في السودان والانهيار العميق في وسط مؤسسات الحكم في مدينتي نيالا وبورتسودان وتبين المنعرج الخطير الذي تقبل عليه بلادنا من تقسيم وفوضي ونهاية للدولة السودانية بمسماها المعروف ان تواصلت العمليات العسكرية لشهور اضافية في البلاد
وحسبناالله ونعم الوكيل
رحاب مبارك سيداحمد
المحامية والمدافعة عن حقوق الانسان



