الأعمدة

صراع الحلفاء داخل وكر الأفاعي

مجاهد بشري
■ من المسكوت عنه في تاريخ الحرب العالمية الثانية أنه رغم اندلاعها لعام كامل, فإن بلجيكا ظلت على الحياد و لم تنضم إلى الحلفاء إلا بعد أن دخلتها القوات الألمانية في الـ10 من مايو 1940م, ومع إشتداد المعارك, وطول أمد الحرب, بدأ الملك ليوبولد الثالث بمطالبة الولايات المتحدة بأموال, ودعم لجنوده, وهدد في حال عدم موافقتها على طلباته فإنه سيبدأ في بيع اليورانيوم لدول المحور وعلى رأسها الإتحاد السوفييتي, ورغم إيفاء الولايات المتحدة بإالتزاماتها كاملة تجاه بلجيكا, إالا أن ليوبولد باع اليورانيوم سراً للإتحاد السوفييتي, وكان أول من اعلن استسلامه, وتسليم كل قواته للجيش الألماني, ما خلق ثغرة كبيرة أفضت إلى محاصرة الجيش الألماني لجنود الحلفاء في دونكيرك و كادت أن تؤدي إلى هلاك أكثر من 600 ألف جندي من جنود الحلفاء دفعة واحدة , ولم يكن هذا هو الخلاف الوحيد المسكوت عنه, فقد سكتت كتب التاريخ عن محاولات فرنسا إقتلاع الكونغو المستعمرة من قبل بلجيكا بينما كانت الآخيرة تقاتل معها جنبا إلى جنب بسبب سعيها للإستحواذ على مناجم اليورانيوم, وغض المؤرخون الطرف عن سرقة الولايات المتحدة لأسرار بلجيكا و فرنسا النووية أثناء الحرب, وعشرات الأمثلة التي تُثبت بأن التحالفات المرحلية اثناء الحروبات, ليست هي تحالفات مثالية, بل هي تكتيكات أملتها الظروف على أطرافها من أجل البقاء, و الحصول على أكبر مكاسب مهما كانت الظروف ضمن استراتيجية السيطرة.

● عندما اندلعت حرب الـ 15 من ابريل 2023م, ظلت الحركات المسلحة على موقف الحياد لأكثر من 7 اشهر, كانت نتيجتها سيطرة الدعم الـ,,,ريع على 95% من المناطق العسكرية بإقليم دارفور, مما دفعها للتواصل مع قادته عبر حاكم إقليم دارفور ابان الفترة الإنتقالية المنقلب عليها في اكتوبر 2021م مني أركو مناوي, ارتكز تواصل مناوي مع الدعم الـ،،،ريع على القتال بجانبه نظير ملايين الدولارات وهو ما قوبل بالرفض, ودفع بمساعد قائد الجيش الطلب من الحركات تحديد موقفها , وخيّرها بالوقوف إما مع الجيش او ضده, مهددا إياها “ضمنيا” بمصير د.الهادي إدريس الذي قصف طيران الجيش بيته, وأقاله من مجلس السيادة المنتهي هو ورفيقه الطاهر حجر, ما دفع بثلاث حركات كانت قد انتقدت العطا و هاجمته بشدة إلى الخروج من وضع الحياد و القتال مع الجيش.

● وبعد مرور ما يقرب العام دون ان تُضيف الحركات المسلحة شيئاً لمعادلة المعركة مع الجيش سوى تأخير سقوط الفرقة السادسة مشاة بالفاشر, والمشاركة في معارك بمحاور تكن هي أول من يخرق التشكيلة العسكرية فيها و تلوذ بالفرار, جعلتها تُدرك بأن الثمن الذي تدفعه أكبر مما ستحصل عليه فهي تقاتل نيابة عن الجيش خارج دارفور التي تركها الأول, مما يعني بأنها تحمل على عاتقها مسؤولية الدفاع عن دارفور وبقية محاور الصراع, و بعد تأكيد العطا أن السلطة ستظل في يد الجيش حتى و إن انتهت الحرب, دفعها الأمر لتصعيد مطالبها تلقائياً لتضمن نصيباً من كعكة السلطة المسمومة.

● و مع معرفتها بحوجة الجيش لوجودها في صفوفه, أصبحت الحركات تمارس الابتزاز علناً على الرغم من سيطرتها على وزارات مهمة مثل وزارة المالية, والمعادن و النفط , وهي حلقوم سلطة الأمر الواقع القابعة في بورتسودان.

● و مع مرواغات قائد الجيش المستمرة في عدم منح الحركات للمال, او المناصب مثل منصب نائب رئيس المجلس السيادي المنتهي الصلاحية الذي يطالب به مناوي بعد أن أنعدمت سيطرته على إقليم دارفور, فإن الحركات المسلحة باتت تحسب كل تضحية تقدمها في ظل أجواء الرفض لتواجدها في الشرق والشمال, و التوجس الذي دفع بالبرهان الإستعانةبحلفائه من المؤتمر الوطني, وضم مليشيات جديدة للقتال بجانبه مثل قوات الأورطة الشرقية, و قوات حزب البجا الخ.. لتحل محل الحركات المسلحة , او ضمان عدم تمردها في حال وصول التحالف بينها و بين الجيش إلى نهايته, وهو ما بات وشيكاً وفقاً لتصاعد الاحداث في بورتسودان.

● لكن أخطر الصراعات الخفية في داخل هذا الحلف , هو الصراع داخل اجنحة قيادة القوات المسلحة نفسها, ففي مارس الماضي شن نائب قائد الجيش شمس الدين كباشي هجوما على المقاومة الشعبية, و نبّه لخطورة تدخل بعض الكيانات السياسية واستغلالها للتحشيد تحت أجندة سياسية في إشارة لأجنحة الحركة الإسلامية التي تتنازع السيطرة على الجيش و أخرى تسعى لتسيد المشهد بالسيطرة على المستنفرين و هيئة العمليات و كتائب الإسلاميين التي يتزعمها العطا و يشرف عليها, هذا الهجوم دفع بمساعد قائد الجيش الفريق ياسر العطا الذي أصبح يحتمي بكتائب الإسلاميين, و المقاومة الشعبية, وقوات العمل الخاص و هيئة العمليات التي أُعيدت للعمل بعد أن تم حلّها في 2019م إلى إعلان عدم اعترافه بالوثيقة الدستورية بسبب تعطيل الكباشي لتمرير قرار إعادة العمل بقانون الأمن الوطني 2010م سيئ السمعة, والذي يمنح أفراد جهاز المخابرات و هيئة العمليات صلاحيات فاشية تجاه المواطنين.

● وبعد تدخل جهات لاحتواء الخلاف بين الإثنين, عاد العطا للإعتذار و تمجيد الكباشي بعد اكتشاف سيطرة الكباشي على جهاز المخابرات العامة عبر ابراهيم مفضل الذي يشترك معه في عمليات فساد و تهريب للذهب, وسيطرته على كل الاستخبارات العسكرية, وبنك السودان, وصلاحيات غير محدودة في وزارة المالية و مجلس الوزراء وهو ما كشفناه في الموسم الأول للتسريبات الخاصة بالفساد.

● كباشي الذي تنامى نفوذه الإقتصادي و العسكري , اصبح يملك من التحالفات الجانبية مع بعض الحركات المسلحة ما يمكّنه من عرقلة مطامع ياسر العطا الذي يستعدي كثير من الجهات التي تربط الكباشي و قائد الجيش بها صلات لا يريدان لها الظهور إلى العلن.

● المؤتمر الوطني الذي أصبح يستعد للعودة بصورة علنية يُدرك تماما بأنه لا يوجد أخطر من امتلاك احد قادة الجيش لموارد مالية و شهوة للسلطة، ويعلم أن تحالفه المرحلي مع البرهان على وشك الوصول إلى نقطة صدام لأسباب عدة، منها أن البرهان يمكن أن يتحالف مع الشيطان نفسه مقابل البقاء في كرسي السلطة، وهو ما يتعارض مع خطة الحزب المحلول الرامية للعودة إلى السلطة و ضمان وجود قائد يدين لها بالولاء الكامل يضمن له السلطة المطلقة، و العداء الصارخ للخارج و للقوة المدنية في الداخل ، وهو ما يتوفر في العطا دون سواه، فهو قدم من التنازلات المريبة كونه رئيس لجنة إزالة تمكين مظام الإسلاميين إلى ربيبهم، ومن مجرد هتّيف ينادي قائد الدعم بنائب رئيس كل الأجهزة الأمنية و النظامية إلى عدو واضح له قبل الحرب بشهر، ومن منادٍ بوجوب عدم وجود أي قوات خارج الجيش في فبراير 2023م ، إلى مناد بتفعيل قانون الامن الوطني الذي يعيد قوات و مليشيات الإسلاميين إلى الواجهة.
● و ما هو أخطر من ذلك فإن الحركات المسلحة بدأت في إعادة النظر إلى تحالفها مع البرهان، و التفكير في انتزاع ما يملكه هو و كباشي من ثروة، و الإرتماء في احضان الإسلاميين الذين لا يمانعون في تولي قادة الحركات لمناصب سيادية ..
● يوم أمس بدأت أول مراحل الصراع داخل المخابرات العامة بين مفضل الذراع الايمن لكباشي و البرهان، وبين اللبيب نائبه المتحالف مع العطا، حيث شكى مفضل وهو خارج السودان من تأخير اللبيب للجنة التحقيق مع كيكل، و أن نائب مدير المخابرات كان خلف تسريب معلومات عن قرب انشقاق كيكل لاستخبارات الدعم السريع حسب وصفه، وطلب مفضل من البرهان نقل اللبيب من جهاز المخابرات إلى أي منصب آخر دون إبطاء.
● وما بين هذه التشابكات العميقة ، و الصراع المحتدم للحلفاء حول الثروة و السلطة وهما جوهر هذه الحرب، فإن الجميع يتناسى بأنهم في إقليم الشرق المهمش، والذي بات يرى الكثير من ابنائه بأنهم تم خداعهم و استغلالهم من قبل العسكر لإسقاط المدنيين، و خدمة اهداف الإسلاميين الذين دمروا الإقليم و تجاهلوا أهله و أقصوهم حتى بات يعرف بإسم الإقليم صفر رغم أهميته العظمى للسودان، وهذا التناسي يوغر صدور اصحاب الأرض و يملأهم بالغضب وهم يشاهدون الجميع يتعامل معهم كأدوات ، ويجلب عشرات الالاف من قوات أرترية يمكن أن تدوّل الصراع و تغري دولا أخرى بالتدخل في الشرق المضطرب، وهذا الوضع هو عبارة عن وصفة كارثية لصراع قد لا تحمد عقباه، و أن الكارثة تكمن في نفي وجود هذا الصراع، ومن يستبعد ذلك عليه أن يرى أن الحرب الحالية بدأت سراً بين ذات الأجنحة داخل الوكر ..
وكر الأفاعي..
الذي بات على وشك أن يتهاوى على رؤسها..
دون أن يترك لها أي فرصة للهرب ..
او النجاة.

زر الذهاب إلى الأعلى