الأعمدة

بنية الدولة السودانية بعد 1989 من الأدلجة الى عسكرة الاقتصاد

تأليف ضياء الدين محمد احمد
( هذا الكتاب يتكون من عشرة فصول وكل فصل يتكون من ثمانية الى عشرة أجزاء..سوف اقدم لكم الجزء الأول من الكتاب )
مقدمة الكتاب
الدولة، العنف، والثروة: سؤال التأسيس في السودان
ليست الأزمة السودانية أزمة انتقال سياسي فاشل، ولا مجرد صراع بين عسكريين ومدنيين، ولا حتى حربًا أهلية بالمعنى الكلاسيكي للكلمة. إن ما نعيشه هو أزمة دولة في معناها البنيوي العميق؛ أزمة تتعلق بطبيعة التكوين، بطريقة توزيع العنف، وبالأساس الذي تُنتج من خلاله السلطة والثروة معًا.
منذ الاستقلال، ظل سؤال الدولة مؤجلًا. كان يتم التعامل معه عبر تسويات سياسية مؤقتة، أو عبر انقلابات عسكرية تعيد ضبط التوازنات، دون أن يُطرح السؤال الجوهري: ما طبيعة هذه الدولة؟ وعلى أي قاعدة مادية وأمنية تقوم؟ ومن يحتكر العنف؟ ولصالح من يُدار الاقتصاد؟
بعد 1989 لم يعد السؤال مؤجلًا، بل أعيدت صياغته بالقوة. لم يكن ذلك التحول مجرد انقلاب سياسي؛ بل إعادة تأسيس للدولة على قاعدة جديدة: قاعدة أمنية–اقتصادية اندمج فيها العنف المنظم مع شبكات الامتياز المالي، بحيث لم يعد الجيش جهازًا للدولة، بل أصبح أحد مراكز إنتاجها وإعادة تشكيلها.
من هنا يبدأ هذا الكتاب.
ليس من باب التوثيق، ولا من باب السجال السياسي، بل من باب التفكيك البنيوي. فالدولة ليست خطابًا دستوريًا، ولا شكلًا إداريًا، بل بنية مركبة تتقاطع فيها ثلاث دوائر:
دائرة العنف المشروع، دائرة الثروة، ودائرة الشرعية.
حين تختل العلاقة بين هذه الدوائر، تدخل الدولة في طور التشوه.
وحين تُختزل الشرعية في القوة، والثروة في الامتياز، والعنف في الولاء، تتشكل دولة هجينة: ظاهرها مؤسساتي، وباطنها شبكات مغلقة.
هذا الكتاب يفترض أن السودان منذ 1989 لم يكن مجرد نظام سلطوي، بل شهد تحولًا بنيويًا أعمق: انتقال من دولة متأزمة إلى دولة أمنية–اقتصادية، تُعاد فيها صياغة المجتمع من أعلى عبر العنف المنظم، ومن داخل الاقتصاد عبر الامتيازات المغلقة.
إن مفهوم احتكار العنف – كما تشكّل في النظرية السياسية الحديثة – لم يتحقق في السودان بوصفه احتكارًا قانونيًا للدولة، بل بوصفه احتكارًا لشبكات داخل الدولة. وهنا يكمن الخلل البنيوي: لم تحتكر الدولة العنف لصالح المجتمع، بل احتكرته مجموعات داخلها لإعادة توزيع السلطة والثروة.
في هذا السياق، لا يمكن فهم الحروب الطرفية باعتبارها انفجارات قبلية، ولا المليشيات باعتبارها ظواهر طارئة، ولا الاتفاقات السياسية باعتبارها حلولًا انتقالية. كل ذلك تعبيرات عن بنية واحدة: بنية دولة لم تُبنَ على عقد اجتماعي مستقر، بل على توازنات قسرية.
الثورة السودانية – في ديسمبر – لم تكن احتجاجًا على حكومة، بل انكشافًا تاريخيًا لطبيعة الدولة. ولذلك كان الصراع بعد سقوط رأس النظام صراعًا على إعادة التأسيس، لا على تقاسم السلطة فقط.
غير أن إعادة التأسيس لم تتم، لأن البنية التي تنتج العنف والثروة ظلت قائمة.
من هنا يتقدم هذا الكتاب بفرضية مركزية:
لا يمكن بناء دولة مدنية ديمقراطية دون تفكيك البنية التي تحتكر العنف وتتحكم في الموارد الاقتصادية خارج الرقابة المدنية.
هذه الفرضية ليست شعارًا، بل نتيجة تحليل تاريخي–اقتصادي–سياسي سيتم تفكيكه عبر فصول هذا العمل. سنعود إلى جذور الدولة السودانية، إلى علاقتها بالمركز الاستعماري، إلى تشكل الاقتصاد الريعي، إلى تحالفات السلطة التقليدية، إلى لحظة 1989 بوصفها إعادة تأسيس، ثم إلى تشكل الرأسمالية العسكرية، فإلى الثورة، فالانتقال، فالانهيار.
الكتاب لا يسعى إلى تقديم برنامج سياسي مباشر، بل إلى إعادة صياغة السؤال:
ما هي الدولة التي نريد؟
وهل يمكن إصلاح بنية قائمة على الامتياز الأمني، أم أن الأمر يتطلب إعادة تأسيس كاملة؟
إن الرهان ليس نظريًا. فالسودان يقف أمام مفترق تاريخي: إما أن يُعاد إنتاج التوازنات نفسها عبر اتفاقات جزئية، أو أن يُفتح أفق تأسيسي جديد يعيد تعريف العلاقة بين المجتمع والعنف والثروة.
بهذا المعنى، فإن هذا الكتاب محاولة لفهم لحظة تاريخية لا تزال مفتوحة.
ليس بصفته مراقبًا محايدًا، بل باعتباره جزءًا من صراع فكري حول معنى الدولة، ومعنى الثورة، ومعنى الاستقرار.
سنبدأ من السؤال الأول: كيف تشكلت الدولة السودانية أصلًا؟
وما الذي جعلها قابلة لإعادة التشكيل الأمني في 1989؟
———
الفصل الأول
سؤال الدولة في السودان: التكوين الاستعماري والبنية البنيوية للتبعية
الجزء الأول
الدولة في الأطراف الرأسمالية: الإطار النظري لتكوين الدولة السودانية
1. لماذا نبدأ من النظرية؟
لا يمكن تفكيك الدولة السودانية عبر سرد تاريخي وصفي فقط. فالدولة ليست حدثًا، ولا مؤسسة إدارية، ولا دستورًا مكتوبًا؛ إنها بنية تاريخية تتكوّن داخل علاقات إنتاج محددة، وتتشكل عبر صراع على العنف والثروة والشرعية. ولذلك فإن فهم نشأتها يقتضي وضعها داخل الإطار الأوسع الذي ولدت فيه: النظام الرأسمالي العالمي.
إن الخطأ المنهجي الذي وقعت فيه كثير من القراءات السودانية هو أنها تعاملت مع الدولة بوصفها “كيانًا وطنيًا طبيعيًا”، ثم بحثت عن أسباب فشلها في سوء الإدارة أو الانقسامات الثقافية. لكن السؤال الأعمق هو:
هل نشأت الدولة السودانية أصلًا كدولة وطنية مكتملة السيادة؟
أم نشأت كجهاز طرفي داخل منظومة عالمية تفرض شروطها المسبقة؟
لفهم ذلك، لا بد من العودة إلى تحليلات إيمانويل والرشتاين في نظريته حول “النظام العالمي الحديث” (The Modern World-System, 1974)، حيث يبيّن أن الرأسمالية منذ القرن السادس عشر لم تتطور داخل حدود وطنية، بل كنظام عالمي يدمج الأقاليم في تقسيم عمل دولي هرمي. في هذا التقسيم، تتمركز الصناعة ورأس المال المالي في “المركز”، بينما تُختزل “الأطراف” إلى فضاءات لاستخراج المواد الخام وإنتاج السلع الزراعية.
السودان لم يدخل هذا النظام كفاعل متكافئ، بل كإقليم مُدمج قسرًا في هذا التقسيم.
2. الدولة في المركز والدولة في الطرف: اختلاف شروط النشأة
في أوروبا، كما يشرح تشارلز تيلي (Coercion, Capital, and European States, 1990)، نشأت الدولة الحديثة من تفاعل طويل بين الحرب وتراكم رأس المال. الملوك احتاجوا المال لتمويل الجيوش، فاضطروا إلى بناء جهاز ضرائبي، فدخلوا في تفاوض مع الطبقات الصاعدة، فنتجت مؤسسات تمثيلية تدريجية. الدولة هناك تشكلت عبر صراع داخلي طويل بين قوى اجتماعية متنافسة.
أما في المستعمرات، فالدولة لم تكن نتيجة تفاوض داخلي، بل نتيجة قرار خارجي.
لم تنشأ من حاجة مجتمعها إلى تنظيم ذاته، بل من حاجة الإمبراطورية إلى تنظيم مستعمراتها.
هذا الفرق الجوهري أنتج نتيجتين:
الدولة في المركز امتلكت شرعية تاريخية متراكمة.
الدولة في الطرف وُلدت بجهاز إداري متقدم نسبيًا، لكن بلا قاعدة اجتماعية مستقلة.
السودان مثال نموذجي لهذا النمط.
3. إدماج السودان في الاقتصاد الرأسمالي العالمي
بعد القضاء على الدولة المهدية عام 1898، لم يكن الهدف البريطاني بناء كيان وطني سوداني، بل إعادة إدماج الإقليم في السوق الإمبراطوري. وقد تم ذلك عبر ثلاثة مسارات متداخلة:
إعادة تنظيم الأرض الزراعية بما يخدم إنتاج القطن.
إنشاء بنية تحتية (سكك حديد، موانئ) موجهة نحو التصدير.
بناء جهاز إداري يضمن الاستقرار بأقل تكلفة.
مشروع الجزيرة، الذي بدأ في العشرينيات، لم يكن مشروعًا وطنيًا بالمعنى التنموي، بل كان جزءًا من استراتيجية الإمبراطورية البريطانية لضمان إمداد مصانع لانكشاير بالقطن طويل التيلة. هكذا أُعيد تشكيل الريف السوداني ليخدم صناعة في مانشستر.
هذا النمط من الإدماج خلق اقتصادًا أحاديًا، يعتمد على سلعة واحدة، ويظل رهينًا لتقلبات السوق العالمية.
وبذلك، لم تتشكل قاعدة صناعية محلية، ولم يتكوّن تراكم رأسمالي وطني مستقل.
4. الدولة كجهاز ضبط لا كأداة تنمية
إذا كانت الدولة الأوروبية الحديثة قد تطورت لتخدم مشروعًا رأسماليًا وطنيًا، فإن الدولة الاستعمارية في السودان لم تُبنَ لتطوير الاقتصاد المحلي، بل لتنظيم استخراجه.
هذا ما يجعل مفهوم “الدولة الريعية” أو “الدولة الاستخراجية” مناسبًا لتحليل الحالة السودانية. فالدولة لم تعتمد أساسًا على ضرائب مواطنيها بقدر ما اعتمدت على عائدات صادرات موجّهة للخارج. وهنا يحدث تحول مهم في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع:
حين تعتمد الدولة على الضرائب، تضطر إلى التفاوض مع المجتمع.
حين تعتمد على الريع الخارجي، يقلّ اعتمادها على المجتمع.
بهذا المعنى، نشأت الدولة السودانية وهي ضعيفة الارتباط بمجتمعها، قوية في جهازها الإداري، لكنها غير مضطرة إلى بناء عقد اجتماعي متكامل.
5. الانقسام البنيوي بين المركز والأطراف
سياسة “الحكم غير المباشر”، كما حللها محمود ممداني (Citizen and Subject, 1996)، لم تكن مجرد تقنية إدارية، بل كانت إعادة هندسة للمجتمع. في المدن، طُبّق قانون حديث نسبيًا، وأُنشئت مدارس ونخب متعلمة. أما في الريف، فتم تثبيت الإدارة الأهلية ومنحها سلطات واسعة.
نتج عن ذلك انقسام دائم:
مركز حديث نسبيًا، مرتبط بالإدارة والتعليم.
أطراف محكومة ببنى تقليدية مُعاد تشكيلها لخدمة السلطة.
هذا الانقسام سيصبح لاحقًا أحد جذور الحروب الأهلية، لأنه لم يكن انقسامًا ثقافيًا فقط، بل اقتصاديًا وسياسيًا.
6. غياب التراكم الوطني المستقل
منذ البداية، لم يتشكل في السودان رأسمال صناعي وطني قادر على فرض مشروع تنموي مستقل. الرأسمال التجاري ظل مرتبطًا بالاستيراد والتصدير، لا بالإنتاج الصناعي. والطبقة الوسطى التي نشأت كانت في معظمها موظفة في جهاز الدولة.
هنا يتضح أحد جذور الأزمة:
الدولة سبقت المجتمع الحديث، بدل أن تكون نتاجه.
وهذا ما يجعلها قابلة دومًا لإعادة الالتقاط من قبل جهازها الأكثر تنظيمًا: الجيش.
7. سؤال الشرعية المؤجل
عند الاستقلال عام 1956، ورثت النخب الوطنية جهازًا إداريًا جاهزًا نسبيًا، لكنه لم يكن متجذرًا في عقد اجتماعي وطني شامل. لم تُعقد عملية تأسيس جديدة تعيد تعريف علاقة الدولة بالمجتمع، بل جرى استلام الجهاز كما هو.
النتيجة كانت دولة قانونية شكليًا، لكنها بنيويًا امتداد لجهاز استعماري.
وهنا بدأ التوتر بين الشكل الوطني والمضمون التابع.
نشأة النظام الرأسمالي العالمي وأثره البنيوي على تكوين الدولة الطرفية
8. البدايات البعيدة: من التراكم البدائي إلى الاقتصاد العالمي
لفهم موقع السودان في القرن العشرين، لا بد من العودة أربعة قرون إلى الوراء، إلى اللحظة التي بدأ فيها ما يُعرف بـ “التراكم البدائي لرأس المال”، كما حلله كارل ماركس في رأس المال (Das Kapital, 1867). لم يكن التراكم البدائي مجرد ادخار مالي، بل عملية عنيفة لإعادة توزيع الثروة عالميًا: نهب الذهب والفضة من أمريكا اللاتينية، تجارة الرقيق عبر الأطلسي، تفكيك المشاعات في أوروبا، وفرض علاقات إنتاج جديدة.
هذه العمليات لم تُنتج رأسمالية وطنية داخل حدود أوروبا فحسب، بل أسست لنظام عالمي يقوم على التوسع الدائم. الرأسمالية منذ نشأتها لم تكن مكتفية بذاتها؛ كانت بحاجة إلى أسواق جديدة، مواد خام جديدة، وأراضٍ جديدة.
إيمانويل والرشتاين يرى أن القرن السادس عشر شهد ميلاد “النظام العالمي الحديث”، حيث بدأت أوروبا الغربية في بناء شبكة اقتصادية تربط القارات عبر تقسيم عمل دولي (Wallerstein, 1974). هذا النظام لم يكن شبكة تبادل متكافئ، بل بنية هرمية:
المركز: ينتج سلعًا صناعية عالية القيمة.
الأطراف: توفر المواد الخام والعمل الرخيص.
شبه الأطراف: مناطق انتقالية تمتص التوتر.
مع الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، تعمق هذا الانقسام. أصبحت الصناعة الأوروبية بحاجة دائمة إلى القطن، المطاط، المعادن، والحبوب. وهنا تحولت إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية إلى فضاءات استخراجية.
السودان سيدخل هذا النظام متأخرًا نسبيًا، لكنه سيدخل مباشرة بوصفه طرفًا.
9. الاستعمار بوصفه ضرورة اقتصادية لا مجرد توسع عسكري
غالبًا ما يُفهم الاستعمار بوصفه رغبة في السيطرة السياسية. لكن في القرن التاسع عشر، خاصة بعد الثورة الصناعية الثانية، أصبح التوسع الاستعماري ضرورة اقتصادية. كما يوضح لينين في تحليله للإمبريالية كمرحلة عليا من الرأسمالية (1916)، فإن تركز رأس المال واندماج المصارف بالصناعة خلق فائضًا يبحث عن مجالات استثمار خارجية.
بريطانيا لم تدخل السودان بدافع “تمديني”، بل لحماية طريق الهند، ولضمان مصادر جديدة للمواد الخام، ولتأمين مياه النيل ضمن صراعها الجيوسياسي.
وهكذا، منذ اللحظة الأولى، لم يكن السودان موضوعًا لعملية تأسيس وطني، بل جزءًا من استراتيجية توسع اقتصادي–عسكري أوسع.
الدولة التي أُنشئت في الخرطوم لم تكن دولة مجتمع، بل دولة إدارة موارد.
10. الحربان العالميتان وإعادة ترتيب النظام الدولي
الحرب العالمية الأولى (1914–1918) كشفت هشاشة التوازن الأوروبي. لكن الحرب العالمية الثانية (1939–1945) كانت لحظة التحول الكبرى. أوروبا خرجت مدمرة اقتصاديًا، بينما صعدت الولايات المتحدة كقوة صناعية ومالية أولى.
هنا حدث تحول مهم في بنية النظام العالمي:
انتقال مركز الثقل من بريطانيا إلى الولايات المتحدة.
توسع الرأسمالية الصناعية–المالية الأمريكية.
إعادة هيكلة النظام المالي الدولي عبر مؤسسات جديدة.
مؤتمر بريتون وودز عام 1944 أسس لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ووضع الدولار في موقع العملة المرجعية العالمية. هذا لم يكن قرارًا ماليًا محضًا، بل إعادة تنظيم للنظام الرأسمالي تحت قيادة أمريكية.
11. مشروع مارشال: إعادة بناء المركز وترسيخ الفجوة
بعد الحرب العالمية الثانية، أطلقت الولايات المتحدة “مشروع مارشال” (1948–1952)، وهو برنامج مساعدات لإعادة إعمار أوروبا الغربية. بلغت قيمته حوالي 13 مليار دولار آنذاك (ما يعادل مئات المليارات اليوم).
اقتصاديًا، كان المشروع يهدف إلى:
منع انهيار الأسواق الأوروبية.
احتواء النفوذ السوفيتي.
إعادة تنشيط الطلب على السلع الأمريكية.
لكن أثره البنيوي الأعمق كان إعادة ترميم المركز الرأسمالي بسرعة قياسية، مما سمح له باستئناف دوره القيادي في الاقتصاد العالمي.
في المقابل، لم يكن هناك “مشروع مارشال” للأطراف الاستعمارية. بالعكس، مع بداية موجة الاستقلالات، دخلت هذه الدول النظام العالمي وهي:
بلا قاعدة صناعية.
بلا تراكم مالي مستقل.
بلا بنية تقنية متقدمة.
هذا التفاوت البنيوي بين مركز يُعاد بناؤه بأموال ضخمة، وأطراف تدخل الاستقلال مثقلة بالتبعية، هو ما يفسر الفجوة التنموية التي ستتعمق لاحقًا.
السودان نال استقلاله عام 1956، في ذروة الحرب الباردة، وفي لحظة كان فيها النظام الرأسمالي قد أعاد تنظيم نفسه بقيادة أمريكية. لكنه نال استقلالًا سياسيًا دون تحرر اقتصادي فعلي.
12. أثر ذلك على السودان: استقلال في نظام غير متكافئ
حين استلمت النخب السودانية السلطة، كانت تدخل عالمًا تُحدد قواعده مؤسسات دولية كصندوق النقد والبنك الدولي، وتتحكم في أسعاره أسواق عالمية لا سلطة لها عليها.
اقتصاد السودان ظل قائمًا على صادرات أولية (القطن أساسًا)، بينما يستورد السلع المصنعة. لم تتغير بنيته جذريًا بعد الاستقلال.
سمير أمين، في تحليله للتبعية البنيوية (Accumulation on a World Scale, 1970)، يبيّن أن التنمية في الأطراف مستحيلة دون فك الارتباط النسبي مع النظام العالمي. السودان لم يفك هذا الارتباط، بل استمر داخله بشروط غير متكافئة.
وهكذا، ورثت الدولة السودانية جهازًا إداريًا استعماريًا، واقتصادًا تابعًا، ونظامًا عالميًا يعيد إنتاج الفجوة.
13. النتيجة البنيوية: دولة سياسية بلا قاعدة اقتصادية مستقلة
هنا تتشكل المفارقة الكبرى:
الدولة السودانية وُلدت سياسيًا مستقلة، لكنها اقتصاديًا تابعة.
هذا الانفصال بين السيادة السياسية والسيادة الاقتصادية سيصبح أحد جذور الأزمة اللاحقة. فالدولة التي لا تتحكم في شروط إنتاجها ولا في أسواقها، تظل رهينة تقلبات خارجية. ومع كل أزمة اقتصادية، يتعاظم دور الجهاز الأكثر انضباطًا: الجيش.
لكن لفهم كيف أصبح الجيش لاحقًا فاعلًا سياسيًا، لا بد من العودة إلى نشأته الأولى داخل البنية الاستعمارية.

زر الذهاب إلى الأعلى