كتب: معاوية أبوالريش
تكشف مناشدة الهندي عزالدين الأخيرة للرئيس السيسي بشأن إطلاق سراح المصباح أبوزيد طلحة عن نموذج واضح لازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا السودانية في مصر. فبينما وجه الهندي عزالدين نداءً عاطفياً مؤثراً للرئيس المصري، مخاطباً إياه بـ”قائد نهضة مصر الحديثة” ومستحضراً العلاقات التاريخية بين البلدين، لم نشهد مثل هذا الحراك الإعلامي و الدبلوماسي المكثف تجاه قضايا أخرى لا تقل أهمية.
الصمت المطبق تجاه معاناة المواطنين العاديين: يثير تصرف الهندي عزالدين تساؤلات جوهرية حول دوافع صمته الطويل تجاه حالات الاختفاء والاعتداءات التي طالت العديد من المواطنين السودانيين العاديين في مصر، فبعد نزوح ولجوء الملايين من السودانيين الى مصر فرارا من الحرب العبثيةالمدمرة التي اشتعلت في السودان ، وثقت تقارير حقوقية ومنظمات مجتمع مدني حالات اختفاء قسري واعتداءات تطال سودانيين عاديين، دون أن نشهد من الهندي عزالدين أي مناشدة للرئيس السيسي بشأنهم.
لماذا لم يستخدم الهندي عزالدين نفس اللغة الدبلوماسية الراقية التي استخدمها اليوم عندما تعلق الأمر بهؤلاء المواطنين؟ لماذا لم يخاطب السيسي بـ”قائد نهضة مصر الحديثة” من أجلهم؟ ولماذا لم يستحضر “العلاقات العميقة بين الشعبين” لحل مشاكلهم؟
الأمر اللافت أن هذا الصمت انكسر فجأة عندما تعلق الأمر بالمصباح أبوزيد طلحة، الذي يُعرف بأنه قائد مليشيا البراء بن مالك، التي تُعتبر الذراع العسكري لحزب المؤتمر الوطني البائد ، هنا تحديداً، وجد الهندي عزالدين صوته الاعلامي و الدبلوماسي وقدرته على المناشدة المؤثرة.
أين المناشدات للمواطن العادي؟
التوقيت والمحتوى يكشفان عن طبيعة الأولويات الحقيقية، فعندما قال الهندي عزالدين: “مصر الحبيبة التي ساندت الشعب والجيش السوداني… لن تخذل مقاومته الشعبية”، كان السؤال المنطقي: لماذا لم نسمع منه عبارات مماثلة عن عدم خذلان المواطنين السودانيين العاديين؟
الفارق في التعامل يطرح تساؤلات حول المحركات الحقيقية لهذا النشاط الاعلامي و الدبلوماسي المفاجئ. فالمواطنون العاديون الذين اختفوا أو تعرضوا لاعتداءات لم يحظوا بنفس الاهتمام، رغم أنهم لا ينتمون إلى أي تنظيم سياسي أو عسكري، وقضاياهم إنسانية بحتة.
في المقابل، عندما تعلق الأمر بشخص مرتبط بتنظيم له صلات سياسية معينة، تحرك الهندي عزالدين بكل ما أوتي من قوة و قدرة على المناشدة والإقناع. هذا التباين يكشف عن طبيعة الدوافع وراء هذا التحرك الانتقائي.
انتقائية في القضايا والدوافع السياسية: تكشف مناشدة الهندي عزالدين عن انتقائية واضحة مرتبطة بالانتماءات السياسية. فعندما وصف مصر بأنها “فتحت حدودها لكل سوداني وقدمت الكثير فوق طاقتها”، لم يستغل هذا الإقرار بالجميل لمناشدة مصر بشأن جميع السودانيين المتضررين.
السؤال المحوري هو: لماذا يستحق قائد مليشيا البراء بن مالك هذا الحراك الإعلامي و الدبلوماسي المكثف، بينما لا يستحق المواطنون العاديون المختفون أو المعتدى عليهم نفس الاهتمام؟ الإجابة تكمن في طبيعة الصلات التنظيمية والسياسية.
فالمليشيا المذكورة معروفة بأنها الذراع العسكري لتنظيم الإخوان المسلمين ، وهذا ما يفسر الحماس المفاجئ للهندي عزالدين في التحرك إعلاميا و دبلوماسياً. الأمر لا يتعلق بالدفاع عن “المقاومة الشعبية” كما ادّعى، بل بحماية رموز تنظيمية محددة.
هذا التباين في المعايير يؤكد أن الدافع ليس إنسانياً خالصاً، وإنما مرتبط بالولاءات السياسية والتنظيمية. وهو ما يجعل حديث الهندي عزالدين باسم “الشعب السوداني” محل تساؤل، لأنه في الواقع يتحدث باسم فئة سياسية محددة.
العلاقات المصرية السودانية والمصداقية: إن العلاقات المصرية السودانية الجيدة التي يشار إليها يجب أن تخدم جميع السودانيين، وليس فئة محددة فقط. والمصداقية في التعامل مع هذه العلاقات تتطلب التعامل مع جميع القضايا بنفس الجدية والاهتمام، سواء تعلق الأمر بشخصيات سياسية أو مواطنين عاديين.
عندما ختم الهندي عزالدين مناشدته بالقول “لن يخيب الرئيس السيسي رجاءات الشعب السوداني”، كان في الواقع يقدم نموذجاً واضحاً للخطاب الانتقائي الذي يخلط بين المصالح التنظيمية والقضايا الشعبية.
السؤال الذي يطرح نفسه: إذا كان الهندي عزالدين قادراً على هذا المستوى من التحرك الإعلامي و الدبلوماسي والمناشدة المؤثرة، فلماذا لم يستخدم نفس القدرات لمناشدة الرئيس السيسي بشأن حالات الاختفاء والاعتداءات التي طالت مواطنين سودانيين عاديين؟
الجواب يكشف عن طبيعة الأولويات الحقيقية: فالمواطن العادي المختفي أو المعتدى عليه لا يحظى بنفس الأهمية التي يحظى بها قائد مليشيا مرتبط بتنظيم سياسي معين. هذا التمييز في المعاملة يؤكد أن الدافع وراء المناشدة ليس الدفاع عن الشعب السوداني عموماً، بل حماية رموز تنظيمية محددة.
إن العدالة الحقيقية في التعامل مع قضايا السودانيين في مصر تتطلب توحيد المعايير، وعدم التمييز بين المواطنين على أساس انتماءاتهم السياسية. والمصداقية في الحديث باسم “الشعب السوداني” تتطلب الدفاع عن جميع أبنائه، وليس عن فئة سياسية محددة فقط.



