البرهان يُبلغ واشنطن استعداده للتفاوض مع الدعم السريع برعاية الرباعية، مع تحذير من “انفجار” الجيش

أواب عزام البوشي
في تطور دبلوماسي لافت، كشفت مصادر مطلعة عن رسالة بعث بها قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى الإدارة الأمريكية، أبدى فيها استعداداً للعودة إلى طاولة التفاوض مع قوات الدعم السريع برعاية الآلية الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والإمارات والسعودية. وتأتي هذه الخطوة في توقيت بالغ الحساسية، إذ تحمل في طياتها مزيجاً من الانفتاح السياسي والحذر العسكري، في ظل حرب مستمرة منذ أبريل 2023 خلّفت أزمة إنسانية واسعة وتعقيدات إقليمية متشابكة.
تُظهر الرسالة، بحسب ما تسرب، قدراً من المرونة السياسية لدى قيادة الجيش، من خلال القبول بمبدأ التفاوض تحت مظلة الرباعية، وهو ما قد يُفهم على أنه استجابة لضغوط دولية متصاعدة تدفع نحو وقف الحرب وإعادة فتح مسار الحل السياسي. وفي الوقت ذاته، تعكس الرسالة محاولة لإعادة ترتيب العلاقة مع واشنطن، عبر الإيحاء بوجود استعداد لفتح آفاق تعاون اقتصادي، خصوصاً في قطاع المعادن الذي يمثل أحد أهم موارد السودان الاستراتيجية، في مسعى لكسب دعم سياسي واقتصادي يخفف من عزلة المؤسسة العسكرية.
وتشير المعطيات أيضاً إلى أن البرهان حاول تقديم صورة إصلاحية عن وضع الجيش الداخلي، عبر الإشارة إلى ما وصفه بتقليص نفوذ بعض المجموعات ذات الطابع الإسلامي داخل المؤسسة العسكرية، في رسالة تبدو موجهة لتحسين الصورة أمام المجتمع الدولي وإظهار قدر من إعادة الهيكلة بما يتماشى مع المطالب الغربية.
لكن الجزء الأكثر حساسية في الرسالة جاء في شكل تحذير واضح، إذ نقل عن البرهان قوله إن أي تغييرات إضافية تمس قيادة الجيش أو بنيته الحالية قد تؤدي إلى “انفجار داخل المؤسسة العسكرية”. هذا الطرح يعكس، في جوهره، وضع خط أحمر أمام أي ضغوط خارجية تستهدف إعادة تشكيل هرم القيادة، ويحمل رسالة ضمنية مفادها أن الضغط المفرط قد لا يؤدي إلى إصلاح بقدر ما قد يفتح الباب أمام انقسامات أو تمرد داخل الجيش نفسه، بما يضاعف من تعقيد المشهد بدلاً من حله.
هذا التوازن الدقيق بين الانفتاح والتحذير يعكس حالة من المناورة السياسية المعقدة، حيث يسعى البرهان إلى الجمع بين تقديم تنازلات محسوبة على الصعيد السياسي والاقتصادي، وبين التمسك الصارم بمركز السيطرة داخل المؤسسة العسكرية. وبصيغة أخرى، تبدو الرسالة كأنها تقول لواشنطن إن أبواب التفاوض مفتوحة، لكن دون المساس بجوهر القيادة العسكرية القائمة، وإلا فإن النتائج قد تخرج عن السيطرة.
في خلفية هذا المشهد، يبرز الحراك الإقليمي والدولي المرتبط بالآلية الرباعية، في محاولة لإعادة صياغة مسار الأزمة السودانية. وهو ما يجعل أي خطوة تفاوضية محاطة بحسابات دقيقة تتجاوز الداخل السوداني إلى توازنات أوسع في المنطقة.
في المحصلة، يعكس هذا التطور حالة من “الليونة المشروطة” في موقف القيادة العسكرية، حيث تُطرح التنازلات السياسية كمدخل للتهدئة، مقابل تشدد واضح في ملف السلطة داخل الجيش. ويبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت واشنطن ستتعامل مع هذه المعادلة كما هي، أم أنها ستواصل الدفع باتجاه تغييرات أعمق قد تعيد رسم بنية السلطة العسكرية والسياسية في السودان بشكل جذري.



