الأعمدة

الرئاسة بين فوهة البندقية ومائدة التفاوض: هل يعيد التاريخ نفسه؟


محمد عبد الله برقاوي..
في لحظات التحول الكبرى في السودان، ظل طريق الرئاسة يمر غالبًا عبر بوابتين:
بوابة الغلبة العسكرية، أو بوابة التسويات السياسية.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما زالت هاتان البوابتان قادرتين على إنتاج ذات النموذج الذي عرفه السودان في عهدي جعفر محمد نميري وعمر حسن أحمد البشير؟
التاريخ يقول إن نميري، بعد انقلاب مايو 1969، ثم حسمه لصراع يوليو 1971 ضد مجموعة الرائد هاشم العطا ورفاقه مثل المقدم بابكر النور والرائد فاروق عثمان حمد الله، استطاع أن يعيد تشكيل السلطة وفق إرادته، لينتقل من رئيس مجلس قيادة الثورة إلى رئيس جمهورية بسلطات شبه مطلقة، مستندًا إلى لحظة “انتصار سياسي وعسكري” مكّنته من احتكار المشهد.
وبصورة مختلفة، جاء عمر حسن أحمد البشير عبر انقلاب الثلاثين من يونيو 1989، مستندًا إلى تحالفه مع الجبهة الإسلامية القومية بقيادة الدكتور حسن عبد الله الترابي، ثم أعاد إنتاج شرعيته عبر أدوات متعددة: انتخابات، تعبئة تنظيمية، ومناورات سياسية داخلية وخارجية، مما مكّنه من البقاء في السلطة لثلاثة عقود رغم الضغوط والعزلة الدولية.
لكن، هل تسمح ظروف اليوم بإعادة إنتاج أي من هذين النموذجين؟
الحرب الراهنة بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) تختلف في جوهرها عن صراعات الماضي. فهي ليست مجرد محاولة انقلابية محدودة، ولا صراعًا سياسيًا تقليديًا، بل مواجهة ممتدة بين مركزين للقوة، لكل منهما امتداداته العسكرية والاقتصادية والاجتماعية.
من هنا، فإن فرضية “الانتصار الحاسم” التي قد تفتح الطريق أمام البرهان لتولي رئاسة كاملة تبدو، حتى الآن، أقرب إلى الرهان منها إلى الواقع. فحتى في حال تحقق تفوق ميداني، فإن ذلك لن ينتج بالضرورة شرعية مستقرة، بل قد يفتح الباب أمام دورة جديدة من الصراع، في ظل دولة أنهكتها الحرب وتآكلت مؤسساتها.
في المقابل، يبرز خيار التسوية السياسية، كما ظهر في مفاوضات منبر جدة في مايو 2023 برعاية المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، باعتباره المسار الأكثر قابلية للتحقق، لكنه في الوقت ذاته لا يقود إلى “رئاسة مطلقة” على غرار نميري أو البشير، بل إلى صيغة حكم مقيدة بتوازنات داخلية وضغوط خارجية.
وهنا تتضح المفارقة:
نميري حكم بعد أن حسم خصومه في دولة ما تزال قائمة،
والبشير استمر عبر شبكة تحالفات وتنظيم سياسي في دولة متماسكة نسبيًا،
أما اليوم، فإن أي سلطة قادمة — عبر الحرب أو السلام — ستنشأ في دولة تعاني من تصدع عميق، مما يجعل مسألة الحكم أكثر تعقيدًا من مجرد الوصول إلى القصر.
إن المقارنة مع الماضي تظل مفيدة، لكنها قد تكون مضللة إذا تجاهلت اختلاف السياقات. فالتاريخ لا يعيد نفسه، بل يعيد طرح أسئلته في ظروف جديدة.
وعليه، فإن السؤال الحقيقي ليس:
هل يصل البرهان إلى الرئاسة عبر الانتصار أم عبر السلام؟
بل:
هل يمكن لأي مسار، في ظل هذه الظروف، أن ينتج رئاسة مستقرة أصلًا؟
لأن السودان اليوم لا يقف أمام لحظة انتقال سلطة فحسب،
بل أمام اختبار وجودي:
إما أن يعيد بناء دولته على أسس جديدة،
أو يظل أسيرًا لدورات متكررة من الصراع، مهما تغيرت الوجوه في القصر.

زر الذهاب إلى الأعلى