الأعمدة

الشاعر أسامة سليمان : القصيدة تشبه كل شيء ولا تشبه شيئاً على الإطلاق!!

هناك من يعتقل الأدب السوداني في أسماء لا يغادرها إلى غيرها!!
أسامة سليمان شاعر يكتب القصيدة بالطريقة التي تأتي بكيفها، قال إن قصيدة النثر (قصيدة خارقة)… وإن الغموض غموضان: غموض واعٍ يرتفع بالقصيدة وبذائقة المتلقي، وغموض يخرج قارئ القصيدة من حيز الشعر إلى الطلاسم والهمهمات غير المفهومة.. وأضاف أن قصيدة النثر ولج بابها كثيرون دون أن يستصحبوا الأدوات اللازمة لإبداع حقيقي… وأشار في حواره مع (تيارات ثقافية) إلى أن علاقته بالشعر بدأت (تلقائياً)… الشاعر أسامة سليمان صدر له ديوانان شعريان آخرهما (اجتراح الكتابة).. ويعمل الآن بصحيفة الجزيرة بالمملكة العربية السعودية.. فإلى مضابط الحوار….
حوار: موسى حامد
كيف تُعرّف لنا أسامة (الشاعر)… أمتي بداية علاقتك بالشعر، المؤثرات والمثيرات والمحرضات على كتابة الشعر، الشعراء والكتاب الذين كان لهم الأثر الكبير في أن تقتفي أثر الشعر، إن كان يوحي ملك أم لا؟
بدأت علاقتي بالشعر تلقائياً، وجدته حولي في كل مكان، الكتب ذات الأغلفة السميكة كانت تملأ منزلنا، أجد والدي -رحمه الله- مدرس اللغة العربية يغوص بين صفحاتها، أغلفة دواوين المتنبي وإخوانه الخشنة ذات الألوان القاتمة لم تكن لتجذبني، على الرغم من نمو علاقة غامضة بيني وبعض الأشعار التي كنت أتلقاها في المدرسة، وعندما عرفت أن ما تحتويه الكتب ذات الأغلفة الخشنة أيضاً شعر احترمته من بعيد، وأذكر أنني ورثت عن والدي ديوان المتنبي شرح اليازجي، قدري كان ألا تنفصم علاقتي بهذه الكتب، فقد كنت في إجازات المدرسة الطويلة أقرأ لجدي، كان -رحمه الله- قارئاً نهماً، وعندما تتعب عيناه كان يستعين بي، فأجلس إلى جانبه لأقرأ له كتباً، أذكر منها الأغاني والعقد الفريد ونحوهما، لم يكن ذلك ممتعاً فلم أكن أفهم ما أقرأ، لكن لا شك أن ذلك أثر فيّ لاحقاً، الوالد والجد هما المعلمان، كبرت وكبرت علاقتي مع الشعر كأننا توأم، تتالت قراءاتي، قرأت لبعض عابراً وقرأت لآخرين بتمهل، ويبقى السياب ودرويش ونزار وقبلهم المتنبي وجميل وجماعة العذريين، وقبل ذلك عروة والصعاليك، على غير ترتيب، هم أكثر من أثروا فيّ.
دار جدل كثيف حول الشعر.. ماهيته ومصادره ومن أين تأتي ما يجعلك مجبراً ومنقاداً إلى كتابته.. من قال إنه مثل بادرة العطاس، ومن قال إنه يكتبه، ومن قال إنه يأتي عفو الخاطر وعلى كيف كيفه… ما هي طقوس الكتابة عند أسامة.. ولمن يكتب بالأساس؟
كيف تأتيك القصيدة؟ هذا سؤال مفتوح على فضاءات فسيحة، يمكن أن تقول فيه ما تريد ويبقى الكثير، ما هي القصيدة إنها تلك اللحظة العابرة، للحظة الحادة، اللحظة الناتئة الخارجة عن الزمان، تحلق معها فيلامس جناحها سقفاً ما داخلك، فتتساقط أشياء وأشياء، القصيدة تشبه كل شيء ولا تشبه شيئاً على الإطلاق، كلمة أو كلمات تتبعها حثيثاً لتعقلها قبل أن تتلاشى لتعمل عليها، أقول نعمل عليها لأنني أؤمن بأن الشعر عمل مضن وشاق، معنى هذا أنني لا أؤمن بالقصيدة التي تكتب الشاعر، فعدا تلك اللحظة التي تدهشك كغادة شاردة يجب أن يتجلى ما أسميه بـ “القصيدة الواعية”… ليس لدي طقوس معينة للكتابة، نعم أحتشد تماماً على الصعيد الداخلي لكن خارجياً لا أهتم بمكان للكتابة أو زمان، فقط لنضال الورق على الكمبيوتر… لمن أكتب؟ سُئلت هذا السؤال من قبل، وأذكر أنني قلت نصاً «بأكتب للشعر للمتعبين من رمل الحياة الذين يتفيأون ظلاله الوارفات، الذين يجدون في الشعر بشارة، ونبوءة، بقد مورق كالقصيدة، يكتب الشعر للمتفرجين الذين كادوا أن ينسوا طعم العرق.. فيجدون في القصيدة الحياة بكل معانيها»، هؤلاء هم من يأخذ بيدي على طريق الشعر، الحياة التي أسمعها تضج في رؤوس العابرين الصامتين وتكاد تفتض جباهم، لفراشات أتبعها على غير وعي، ولغزالات شاردات لا يراها سواي.. ولمن؟ ربما بعد كل هذا لا أدري لمن أكتب تحديداً!
تقيم خارج السودان منذ فترة… ما هو تقييمك للفترة التي قضيتها بالخارج.. وما هو أثر الابتعاد عن الوطن عليك؟
الإقامة خارج السودان والإحساس بالبعد عنه جغرافياً يجعلان بوصلة مشاعرك موجهة نحوه باستمرار؛ فلا شيء سواه ينتظم دواخلك، الوطن لا يصغر في دواخل المبدعين المقيمين فيه، لكنه يتمدد أكثر في دواخل أولئك البعيدين، الغربة حالة من التيه وبحث دائب عن دروب العودة، وعموماً أية تجربة سودانية لم تنضجها شمس السودان اللافحة تبقى ناقصة، قضيت فترة في الخارج لاشك أخذت مني وأعطتني.. أعطتني هذا الاقتراب المشاعري الحاد من بلدي، وأتاحت لي فرصة التعرف على أصوات أخرى، إنسانياً وإبداعياً جنيت منها الكثير.
لديك تجربة للنشر في الخارج، لماذا في البدء؟ هل لإقامتك في الخارج أم أن النشر في الخارج أسهل منه بكثير من الإقدام على تجارب مكلفة في النشر بالداخل؟
قلت مرة إن النشر بالخارج ليس بحثاً عن قارئ غير موجود بالسودان، بل إني أحاول جاهداً أن يكون صوتي موجوداً بالداخل، الأسباب أساساً تتعلق بقناعة المبدع في تلك البلاد وتفاعله مع الساحة، والنشر كما قلت عملية مكلفة جداً، ليس مادياً فحسب، فضلاً عما يترتب على النشر، والأمر لا يتوقف على طباعة كتاب، ومن ثم الدفع به إلى المكتبات، فلابد أن تكون قريباً بهذا الذي ألقيته في النهر، ولابد أن (تتعهده) وتتبعه، وهذه عملية تتطلب أن تكون قريباً متابعاً، وليس معنى هذا أن يقوم الكاتب بالدور الذي يجب أن تقوم به دُور النشر.
ببقائك خارج السودان، وعملك بالصحافة العربية وتحركك في المناشط الأدبية والإعلامية هناك، لعل هذا يعني لك موقعاً تستطيع به الحكم على موقع الأدب السوداني في الخارج.. كيف يقومه الآخرون وكيف يرونه من الأساس؟ هل يحسون بأن هنالك ما يسمى بالأدب السوداني؟
هناك ما نستطيع أن نطلق عليه أدباً سودانياً – في رأيي – على الرغم من أننا لا نستطيع – أحياناً – أن نجزئ الأدب الذي هو تجربة إنسانية شاملة، لكن تبقى لبعض البلاد خصوصياتها، فمثل هذه البلاد ببصرائها وغاباتها وغنى إنسانها لها خصوصيتها، ومن واقع تجربتي المحدودة، فإن كثيرين يعرفون أن لهذا الأدب السوداني خصوصيته، كما لهذا “الزول”، لكنهم يعتقلونه في أسماء محدودة لا يكادون يغادرونها إلى غيرها، بمعنى أنهم يشعرون بهذه الخصوصية ويحسون بأن هناك أدباً سودانياً لكنهم كما قلت يعتقلونه في بضعة أسماء، ولا يبحثون عنه في سواها.
جئت إلى السودان قبل أيام.. كيف تبدي لك مشهد الأدب والثقافة بشكل عام.. والشعر على وجه الخصوص؟
مشهد الأدب والثقافة بشكل عام أراه طيباً، والشعر على وجه الخصوص يمر بفترة طيبة، فعلى مستوى الإبداع هناك أصوات مميزة جداً، وهي كثيرة تجل عن الحصر، كذلك عمليات الطباعة والنشر والفعاليات الشعرية، سواء كانت رسمية أو غير ذلك تضطلع بدورها في أقصى حدود الممكن وتطمح إلى المزيد.
غالب الأجيال الجديدة نزحت نحو كتابة قصيدة النثر… وتغيرت على نحو كبير وواسع طريقة الموضوعات المكتوبة شعراً والتكنيك المستخدم.. كيف ترى هذا الأمر؟ وأمر آخر هو الغموض الكثيف في هذا النمط من الكتابة.. كيف يراه الشاعر أسامة سليمان؟
أريد أن أقول بداية إن قصيدة النثر قصيدة خارقة إذا نظرنا إلى نماذجها الجيدة، لكن تكمن المشكلة – في رأيي – في أن بابها واسع وولجه الكثيرون دون أن يستصحبوا الأدوات اللازمة لإبداع حقيقي.. ومسألة الغموض يجب أن نتحدث عنها بشيء من التركيز، إذ إن الغموض يجب ألا يكون مقصوداً في ذاته، فهناك الغموض الواعي الذي يرتفع بالقصيدة وبذائقة المتلقي وليس ذلك الغموض الذي يخرجنا من حيز الشعر إلى الطلاسم والهمهمات غير المفهومة.
أخرجت إلى النشر عنوانين جديدين… ما هي المشاريع المستقبلية؟
هناك في الطريق مجموعتي القادمة «في شارع دون لافتة»، التي ستطبع وتنتشر بالسودان بإذنه تعالى.

زر الذهاب إلى الأعلى