الأعمدة

(#الفي يدو سلاح ما بكتب نفسو شقي:

وسلام السلاح مابدوم #اتفاقية جوبا بين استئثار الحركات المسلحة بكافة مزايا السلطة وتهميش نصيب الوسط والشرق)

#image_title

#image_title
#المستشار/#مهيد شبارقة
مدخل #عنوان المرحلة ومرارة التهميش:
المقولة السودانية (#الفي يدو سلاح ما بكتب نفسو شقي) لم تطلق عبثا بل كانت دائما مرآة لواقع الدولة السودانية حين يتعلق الأمر بتوزيع السلطة والثروة
.وما اتفاقية جوبا للسلام الموقعة في أكتوبر 2020 إلا برهان آخر على أن من يملك فوهة البندقية هو وحده من تفرش له السجادة الحمراء في مائدة التفاوض فيما يترك أصحاب القضايا العادلة من أقاليم الوسط والشرق الذين لم يرفعوا السلاح لمهب الريح…!!
#اولا اتفاقية جوبا: السياق والمخرجات
جاءت اتفاقية جوبا للسلام في أعقاب ثورة ديسمبر المجيدة وسط آمال عريضة بأن تشكل نهاية لعقود من الحرب والتمرد حيث شاركت فيها معظم الحركات المسلحة التي كانت تقاتل النظام السابق من دارفور والمنطقتين وتم تخصيص مقاعد في الحكم الانتقالي لهذه الحركات إضافة إلى ترتيبات أمنية واقتصادية كان يفترض أن تعالج جذور النزاع لكن في واقع الحال أُفرغت الاتفاقية من بعدها الوطني وأصبحت مدخلا لاستيعاب قادة الحركات المسلحة في المناصب العليا (السيادية/الوزارية/الولائية/ والسفراء
) دون أن يكون هنالك إنفاذ حقيقي للبنود المتعلقة بالعدالة الانتقالية ولا ببرامج التنمية أو إعادة الإعمار.
#ثانيا:احتكار الفائدة من الاتفاقية: فالحركات المسلحة كمراكز نفوذ جديدة
تبين من خلال السنوات اللاحقة أن بعض قادة الحركات المسلحة تعاملوا مع الاتفاقية (كـعقد تمكين)لا يختلف عن ما جرى في عهد الإنقاذ لكن هذه المرة بلغة (ثورية) فتحولوا إلى جزء من النظام الحاكم وتحالفوا مع العسكر بل وكانوا شركاء مباشرين في انقلاب 25 أكتوبر 2021 الذي أنهى تجربة الشراكة المدنية.!!
ولم تكتف هذه القوى المسلحة بالحصول على مناصب سيادية ووزارية بل حصلت على /شركات مملوكة للدولة أو ترتيبات مالية في الموازنات العامة دون أن تكون هناك مساءلة قانونية ولا رقابة..!!
#ثالثا:الشرق والوسط ضحية الصمت أم ضحية السلم .؟
على الجانب الآخر بقيت ولايات الشرق والوسط خارج معادلة التمثيل إذ لم تدع الأطراف المدنية أو الاجتماعية الفاعلة في هذه الأقاليم بشكل جدي للمفاوضات ولم تمنح هذه المناطق أية ترتيبات خاصة تعالج ما تراكم من تهميش وإقصاء تنموي لانها لاتملك سلطة سلاح يخيف المركز فتم تهميشها عنوة للمرة الالف واستعاضو عن جميع مثقفيها ومتعليمها باعادة ذات الكوز بنت الكوز الشهير كون ان جذورها اصلا ترجع للنخب النيلية..!!
ورغم أن قضايا الشرق تفجرت لاحقا في شكل /احتجاجات ومطالبات #بإلغاء مسار الشرق ضمن اتفاقية جوبا فإن سلطة الدولة الغير شرعية لم تحرك ساكنا بل إن /#تعيينات الوظائف والمناصب لم تراع هذا الخلل وتم تعيين أشخاص من خارج الإقليم أحيانا مما زاد الشعور بالغبن…!!
#وفي الوسط حيث توجد ولايات /النيل الأبيض/سنار/الجزيرة لا صوت يسمع سوى شعارات (#لسنا دعاة حرب)
ولكن دون اي مقابل تنموي يعوض التهميش المفروض عنوة ولاتمثيل سياسي يمحو حق الاقصاء المتعمد..!!
#رابعا: آراء وتحليلات ماذا يقول المحللون..؟
يرى الخبير السياسي د/عبد الجبار خليل أن (#اتفاقية جوبا كرست لمبدأ من يحمل السلاح يكافأ بينما تهمَش الأقاليم التي آمنت بالوسائل السلمية وهذا تناقض جوهري مع فكرة التحول المدني والديمقراطي)
ويضيف الاقتصادي /صلاح الضو أن (#نصيب الحركات المسلحة من الميزانيات والموارد والمناصب لا يتناسب مع حجم سكان الأقاليم أو احتياجات التنمية بل تم تحويل تلك الامتيازات إلى مراكز نفوذ خاصة دون تأثير إيجابي يذكر على حياة المواطنين)
#خامسا:نماذج من الواقع التنمية الغائبة في الوسط والشرق:
ففي الوقت الذي تضخ فيه ملايين الدولارات في مشروعات إعادة دمج وتسريح مقاتلي الحركات المسلحة تبقى قرى شرق السودان بلا كهرباء ومدن بكامل قراها مثل /ود مدني و/سنار تعاني من تدهور مريع في الخدمات وسط غياب تام لأي دعم مركزي..!!
وفي ظل الحرب العبثية المشتعلة تزايد اعتماد الحكومة على تلك الحركات لتجنيد المقاتلين بينما لا يطلب من أبناء الوسط والشرق سوى أن #يصبروا باسم السلام..!!!
#سادسا: اتفاقية جوبا ما الذي قدم ومن الذي جرد..؟
جاءت اتفاقية جوبا كاستحقاق للسلام بعد الثورة وضمت حركات مسلحة من /دارفور /جنوب كردفان/النيل الأزرق و/الشرق (ضمن مسار الشرق الجدلي) لكنها عمليا أصبحت بوابة لاستيعاب نخب الحركات في مفاصل الدولة دون أثر ملموس على القواعد الشعبية وبدون إشراك حقيقي للأقاليم السلمية فبينما حصرت المناصب السيادية والوزارية في يد ممثلي الحركات تم تهميش ولايات الوسط والشرق سياسيا واقتصاديا مما زاد من الإحساس بالظلم والتفاوت في معادلة الوطن..!!
شهادات من الواقع الوسط والشرق يتحدثان الأستاذ /محمد الفاتح /ناشط مجتمعي من سنار:
(لم نرفع السلاح ولم نقطع طريقا لكننا لم نجد سوى التهميش وكل الوعود الحكومية عن التنمية بعد جوبا كانت مجرد كلام فهل المطلوب منا أن نكون ميليشيا لكي نحصل على حقنا..؟)
= سكينة محمد أحمد /معلمة من ود مدني:
(الطرق منهارة المدارس تفتقر للكتاب والكهرباء ومع ذلك نسمع يوميا عن اعتمادات بمليارات للجيوش الموقعة على السلام..ونحن نكافأ بالصبر فقط؟!)
=حمدان أوهاج من البجا ببورتسودان:
(المسار الذي سمي بمسار الشرق في جوبا لايمثلنا ولم يستشر فيه أهل الشرق بل تم فرضه من قوى الخرطوم وتحالفات السلاح /فأين هي التنمية؟
و/أين مشاركتنا الحقيقية..؟ كل شيء ذاهب إلى جيوب الصفوة من حملة السلاح فقط)
#سابعا :محللون سياسيون خلل في معادلة السلطة والتفاوض:
يرى المحلل السياسي د/حسين الأمين أن: (اتفاقية جوبا لم تقم على عدالة شاملة بل كانت عبارة عن صفقة بين العسكر والحركات المسلحة لاقتسام النفوذ لهذا فشلت بتحقيق السلام الحقيقي خاصة في الشرق والوسط لأن هؤلاء لم يكونوا أطرافا في التفاوض ولا في المكاسب)
ويضيف الخبير في شؤون الإدارة أ/منير عبدالقادران :(الاتفاقية شرعنت المحاصصة الجهوية القائمة على منطق السلاح لكنها فشلت في ربط السلطة بالكفاءة أو التمثيل الحقيقي وهذا خطر على وحدة الدولة)
#ثامنا:قراءة اقتصاديةأين ذهبت أموال السلام؟
يقول الخبير الاقتصادي /محمد علي جميل:(نفذت بنود مالية ضخمة في جوبا تتعلق بمخصصات وتسهيلات لقادة الحركات ودمج قواتهم بينما لم تدرج أي خطة واضحة لتأهيل البنية التحتية في مناطق مثل الجزيرة أو القضارف أو كسلا أو سنار وهذا تمييز واضح في توزيع الموارد قائم على منطق الثمن المدفوع بالسلاح)
وفي سياسة التمكين الجديد باسم السلام فمن الملاحظ أن قادة الحركات المسلحة بعد جوبا أصبحوا يملكون شركات وأذرعا اقتصادية نافذة وعقودا مع الدولة، دون رقابة تذكر.فالبعض منهم كون حرسا شخصيا يفوق في عدده قوات الشرطة المحلية وهذا يعيد إنتاج ذات مشهد /التمكين الذي قام به النظام السابق ولكن بلغة جديدة(لغة الضحية التي أصبحت جلادا.
#ثامنا نظرة إلى الأمام: حلول ممكنة
١/مؤتمر تقييم وطني لاتفاقية جوبا تشارك فيه كل الأقاليم، بما فيها الوسط والشرق، لمراجعة بنود الاتفاق وإعادة هيكلته على أساس العدالة الشاملة.
٢/إلغاء المسارات الجغرافية الصورية واعتماد مبدأ التنمية حسب الكثافة السكانية ومستوى التهميش الحقيقي.
٣/تحييد مبدأ السلاح كأداة سياسية وتأسيس السلام على الحقوق لا الرصاص.
٤/ تمثيل حقيقي للوسط والشرق في أي ترتيبات انتقالية أو مشروعات إعادة إعمار بعد الحرب.
#الخلاصة هي ان سلام السلاح لا يدوم… والعدالة وحدها تبقي الوطن موحدا
وإن ما نشهده اليوم من نتائج لاتفاقية جوبا هو تأكيد حي أن (#كل اتفاق سلام يبنى على منطق المكافأة مقابل التمرد فهو سلام زائف)أما الوسط والشرق فهما الخاسران الأكبران لا لأنهم فشلوا في المطالبة بحقوقهم بل لأنهم آمنوا يوما بأن السلمية كافية لنيل الحقوق.
ويبقى السؤال المؤلم:
#هل أصبح الطريق إلى السلطة في السودان يمر بالخراب لا بالتنمية..؟ وبالسلاح لا بالعلم؟
وبالولاء لا بالكفاءة؟
#تاسعا:هل من أمل في التعديل…؟
حتما إن المخرج من هذا الخلل الهيكلي يتطلب الآتي:
١/مراجعة شاملة لاتفاقية جوبا وإعادة هيكلتها بمشاركة حقيقية لممثلي الأقاليم غير المسلحة.
٢/تفعيل العدالة التوزيعية في الثروة والموارد بناء على الحاجة والكثافة السكانية وليس قوة السلاح.
٣/فتح حوار وطني شامل يضع حدا لمنطق (#السلاح مقابل السلطة) ويؤسس لعقد اجتماعي جديد قائم على العدالة والمواطنة.
٤/تمكين المجتمع المدني في الوسط والشرق ليقوم بدوره في التأثير على مخرجات الحكم.
#خاتمة: (منطق السلاح يهدد السلام)
فاتفاقية جوباكما طبقت أنتجت اختلالا جديدا في ميزان القوى ورسخت لمنهج خطير مفاده أن (#الحق لايطلب بل ينتزع بالبندقية) وهو ما يتناقض مع مبادئ الثورة التي نادت بالسلمية فإذا استمرت الحكومة الانتقالية القادمة أو أي مشروع وطني قادم في تبني هذا المنطق فإن السودان لن يغادر دوامة الحرب والتمرد بل سيعيد إنتاجها بأشكال جديدة في أقاليم كانت حتى وقت قريب تنادي بالسلام فقط.

زر الذهاب إلى الأعلى