الأعمدة

“رد على من يرمي الأنقياء بحجارة الزجاج : حين يُصبح التشهير مهنةً، والكذب بضاعةً

كتب: المستشار معاوية أبوالريش
قرأتُ ما كتبه الأستاذ عبد الإله صديق عن الدكتور عبد الله حمدوك، فلم أجد فيه صحافةً ولا توثيقاً، ولا حتى رأياً مبنياً على دليل. وجدتُ شيئاً آخر أعرفه جيداً وأعرف رائحته: التشهير المدفوع الثمن، تلك الصناعة القديمة التي تُحرَّك فيها أقلام بعينها، في توقيتات بعينها، لخدمة غايات لا تُعلَن. والغريب أن هذه الأقلام لا تحتاج دليلاً، بل تكتفي بالإيحاء والتلميح والسؤال المسموم الذي يُزرع في العقول ثم يُترك يُثمر شكاً وبلبلة.
والأغرب من ذلك كله أن الأستاذ عبد الإله صديق – في مقال سابق منشور على صفحته الشخصية بمنصة فيس بوك و الذي لم يمحُه النسيان ولم تطمسه الأيام – كشف بقلمه هو، وبلا مواربة، كيف استقبله تجارُ الدين من فلول الإسلاميين حين حلَّ بالخرطوم في معية شركات الاستثمار الكبرى. كتب كيف مدُّوا إليه أيديَهم الملوَّثة يطلبون “قز عودهم”، شركاءَ في كل صفقة لم يتعبوا في بنائها، سماسرةً لكل مستثمر أجنبي يُحاول ولوج السوق السوداني، لا يسألون عن مصلحة وطن، ولا عن كرامة مواطن يئنُّ تحت وطأة الغلاء والفقر. كتب ذلك بيده ونشره باسمه وأشهد عليه القراء والمتابعون.
فأين ذهب ذلك القلم الجريء اليوم؟ وكيف انقلبت بوصلته فجأة لتُشير نحو رجل لم يطلب يوماً من عبد الإله ولا من شركاته جنيهاً واحداً؟ هذا هو السؤال الذي يستحق الإجابة قبل كل شيء.
الرجل الذي لم تصنعه الثورة بل صنعته السنون ، الدكتور عبد الله حمدوك لم يأتِ من فراغ، ولم تُخرجه الثورة من عدم. هو رجل صنعته السنون الطويلة من العمل الصادق والكفاءة المُثبَتة. أمضى عقوداً من عمره في خدمة قضايا التنمية الأفريقية، وتسنَّم مناصب رفيعة في المفوضية الاقتصادية للأمم المتحدة في أفريقيا، وعمل مستشاراً لمنظمات دولية كبرى، وكسب احترام أقرانه من الاقتصاديين والمخططين في القارة الأفريقية وخارجها. كان يعرف أرقام الفقر ومعدلات البطالة وتفاصيل الديون السيادية قبل أن يذوق طعم السلطة بعقود.
حين وقف على رأس حكومة الثورة في أغسطس عام 2019، لم يجد أمامه بساطاً مفروشاً. ورث دولةً مُثقلة بديون خارجية تجاوزت الستين مليار دولار، واقتصاداً مُهترئاً أنهكته ثلاثة عقود متواصلة من النهب المنظَّم والتخطيط الفاسد الذي مارسه بالضبط أولئك الذين يُحرِّكون اليوم أقلام التشهير ضده. ورث عزلةً دولية خانقة، وشعباً جريحاً يحمل آمالاً ثقيلة في قلبه المُتعَب.
ومع ذلك، انطلق يعمل بصمت الواثق وثبات المؤمن بقضيته. فاوض بكرامة ونجح في إسقاط اسم السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، وهو إنجازٌ ظلَّ حُلماً بعيد المنال طوال ثلاثة عقود من الحكم البائس. وفتح أبواب التطبيع الدولي على مصاريعها، وأعاد للسودان حضوره في المحافل الدولية بعد غياب مديد. وأطلق مبادرات إصلاح اقتصادي جريئة رغم صعوبة المرحلة وضيق الهامش المتاح، وسعى إلى إعادة هيكلة الديون والحصول على إعفاءات تاريخية كانت ستُخفِّف عن كاهل المواطن المسكين أعباءً ثقيلة.
ولم يُسجَّل في حقه على مدى كل تلك الفترة العصيبة أنه طلب قرشاً واحداً لنفسه، ولا عمولةً سرية، ولا مصلحةً خاصة. لم تظهر له ثرواتٌ مجهولة المصدر، ولم تُكشَف له حسابات مشبوهة، ولم يتهمه أحدٌ بسرقة وثَّقها دليل. وهذا ليس كلامي وحدي، بل شهادة كل مؤسسة دولية وكل حكومة وكل خبير تعامل معه عن قرب.
“وثائق إبستين” أم فنُّ البناء على الوهم؟
أما ما يُسمَّى بـ”أرشيف إبستين” فيما يخص حمدوك، فهو بناءٌ من الضباب، شيَّده الكاتب بأدوات الإيحاء لا الإثبات. تأملوا معي هذه الحيلة البلاغية الماكرة: الكاتب نفسه يضع تحت كلمة “صحَّت” خطَّين، يعترف بنفسه بأنه لا يملك دليلاً على صحتها، ثم يمضي بعد ذلك في البناء عليها كأنها حقيقةٌ راسخة ويقينٌ لا يُجادَل. وهذه ليست صحافة، بل هي فنٌّ قديم يُتقنه كتَّاب بعينهم: فنُّ التلميح المسموم الذي يُزرع بذرةَ الشك في عقل القارئ ثم يُهرب صاحبه من المسؤولية خلف كلمات التحفظ الخادعة.
الصحافة الحقيقية لا تُدين بـ”إن صحَّ” ولا تبني اتهاماتها على “ما يُقال” و”ما يُروى” الصحافة الحقيقية تُثبت أو تصمت. تحضر الدليل أو تعتذر. أما أن يُبنى اتهامٌ يمسُّ شرف رجل وسمعته على أرضية “وثائق” يشك الكاتب نفسه في وجودها، فهذا ليس صحافةً بل هو قذفٌ مُتقَنُ التصميم.
ثم يتساءل الكاتب في ختامه: “كيف يتحول من يُشتبه في تيسيره لصفقات الظل إلى محارب فساد؟” ونحن نُعيد السؤال إليه بصيغة أكثر دقة: كيف يتحول من كشف بقلمه فساد الإسلاميين وطلباتهم غير المشروعة إلى أداة في يد هؤلاء الإسلاميين أنفسهم لضرب خصومهم؟
الخلاصة التي لا تحتاج زخرفة
حين يُهاجَم رجلٌ نظيفٌ بهذه الضراوة، فابحث دائماً عمَّن يخشى نظافته ومن تُزعجه سيرته الطاهرة. وحين يعلو صوتُ التشهير فجأة بلا مناسبة واضحة، فاسأل: من المستفيد؟ ومن الذي يدفع ثمن هذا الصوت؟
الدكتور عبد الله حمدوك لم يسرق ولم يقتل ولم يتآمر على شعبه. ولم يطلب من أحد كوميشناً ولم يُدخل نفسه شريكاً في صفقة لم يعمل من أجلها. كانت غايته وطناً حراً كريماً يعيش فيه المواطن المسكين بكرامة، وهذا وحده يكفي ليكون هدفاً لكل من بنوا ثرواتهم على خراب هذا الوطن وأقاموا قصورهم على أنقاض المعدمين.
وأما القلمُ الذي كتب اليوم تشهيراً بعد أن كتب بالأمس اعترافاً صريحاً بممارسات الفساد التي شهدها بأم عينيه، فهو قلمٌ فقد بوصلته الأخلاقية، أو ربما أودعها رهينةً عند من يملكون ثمن صمته أو ثمن كلامه.
وفي النهاية، يبقى حمدوك في ذاكرة شعبه رمزاً لمرحلة استثنائية حاول فيها الشرفاء أن يبنوا دولة بين أنياب الفلول ومخالب العسكر ومؤامرات الساعين إلى إجهاض الثورة. وتلك شهادة لا يمحوها تشهيرٌ مهما علا صوته، ولا قلمٌ مهما اشتدَّ أذاه.
“إن الذين يُحبُّون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذابٌ أليم في الدنيا والآخرة، والله يعلم وأنتم لا تعلمون”

زر الذهاب إلى الأعلى