الأعمدةالمنوعات

مجذوب أونسة .. ما كنت متصور في يوم أجيك مغلوب

مجذوب أونسة .. ما كنت متصور في يوم أجيك مغلوب.

 

بقلم: نصر الدين علي إدريس

 

الدوحة – 25 مايو 2026

 

حملتني بعض سنوات العمل أن ألتقي كوكبة من نجوم المجتمع في مختلف ضروب الفن، وكان ممن التقيت المطرب القدير صاحب الصوت الندي مجذوب أونسة.

ومجذوب مغنٍ مشحون بالشجن، وله مقدرة عالية على التطريب ومعالجة النصوص، وأظن أن كثيرًا من أغنياته لو لم تجد مجذوبًا لماتت في أوراقها ودفاترها. أقول ذلك لأن مجذوب موغل في وجدان جيلنا، وأغانيه ترياق لنا من علة الشوق ووجع الوله.

وقد أسررت له بتلك المحامد علينا، وقلت له إنك رفيقنا في السهر، وطبيبنا في الوجع، وحبيب دائمًا ما يسوقنا إلى دروب المسامحة والتجاوز عن زلات الأحبة.

أنا ما بعاتبك إنت مهما الدموع تتحدر

تفضحني غصبًا عني دا البينا أكتر وأكبر

مجبور أسامحك أنا وأمسح دموع عيني

فضحك حتى كاد أن يستلقي على قفاه، فالرجل مستف بالمودة، جياش المشاعر، ثم طفرت منه دمعة اختصرت كل المقالات وعبرت عن الموقف.

صنع هذا اللقاء مودة خاصة بيننا، فكنت كلما ألتقيه يصافحني بكل الحب، ويطوف بي على من حوله احتفاءً وتقديرًا.

رجل ليس له في الدنيا إلا مواساة الناس وتوزيع كؤوس المحبة.

مجذوب منحنا طاقات من دفق المحبة رافقتنا كل سنوات عمرنا، ودلق فينا دلوًا من الصبر جعلنا نخفف على أنفسنا كلما قست علينا دروب الحياة أو عز علينا فراق من نهوى.

إلا الزمن غلاب غلبني يا إنتو

مجذوب مترع بالشجن، بل تكاد أن تلمسه في نظراته وبسماته، وكم حلقنا معه بأجنحة الوله في:

أنا كنت فاكرك لي

ناسي الزمن وأحكامو

ثم بتنا نلتمس معه الأعذار لكل محبة طمرت ومودة دفنت، بل علمنا أن نتشارك الآلام كما نتشارك الأفراح.

جبروك خلاص تترك هواي

مبروك عليك دا هناك هناي

فالدنيا عند المجذوب عرضحال مفتوح، تسكن قصص العاشقين بين صفحاته لينثرها للناس في حكايات المساء والسهرة.

الدنيا يا ما توري

والدهر يا ما يقري

وكم أطربنا بوطنيته الباذخة في:

عزيز إنت يا وطني

برغم قساوة المحن

اليوم يا مجذوب توسدت أنت الثرى، وتوسد كل السودان 🇸🇩

حزن السنين في أعماقه، متعللًا بحلم الصبي.

الآن فقط جاء دور القماري، رمزية القماري في الإخوان والأحباب والمؤسسات، فقد رحل مجذوب وترك وصية مفتوحة بعرض البلاد وطولها:

جيت أوصيك يا قماري

لما أرحل

تبقى عشرة على دياري

وكل يوم أديها طلة

وغني لي أمي وصغاري

رحم الله مجذوب وغفر له، وجعل البركة في عقبه.

 

زر الذهاب إلى الأعلى