النوايا والسرائر، وما يعتمل في النفوس، أمورٌ لا يعلم حقيقتها إلا المولى سبحانه وتعالى، لذلك لا يملك الناس سوى أن يحاكموا الوقائع بظواهرها، وأن يزنوا النوايا بما تفضي إليه الأفعال.
بالأمس مرَّ العيد على كثيرٍ من الجبهات المشتعلة في منطقتنا العربية، لكنه لم يحمل معه فرح العيد ولا طمأنينته.
في غزة، لم يعرف كثيرٌ من أهلها طعم اللحوم، بعدما غابت حتى عن موائد التكايا، وكما قال أحد المواطنين هناك: “لقد مللنا أكل الأرز، وكنا نحلم فقط بطعم اللحم يوم العيد، ولكن هيهات”.
فأيُّ مكسبٍ حققته حماس سوى أنها أوصلت شعبها إلى هذا الدرك من الجوع والشتات والذل؟ ثم وفرت لإسرائيل الذريعة التي جعلت من غزة أثراً بعد عين، بشراً وحجراً، في تلك البقعة الضيقة المكتظة بالملايين الذين لم يعودوا يعرفون على وجه اليقين من هو العدو الذي دمر حياتهم.
ولم تعد المظاهرات هناك تخشى الهتاف بسقوط حماس نفسها، بينما يمضي المجتمع الدولي في محاولة نزع سلاحها عبر سياسة “العلاج بالكي”، فيما تتساقط قياداتها تباعاً بالاغتيال والاستهداف الإسرائيلي، وهم أنفسهم الذين أطلقوا رصاصة السابع من أكتوبر، تلك الرصاصة التي تجاوز مداها حدود المواجهة، لترتد إلى نحر كل مواطن فقد بيته أو عمله أو كرامته.
وكذلك الحال في جنوب لبنان، حيث لم يعد الناس يتطلعون إلى موائد العيد، بقدر بحثهم عن ظل يؤويهم من ضربات إسرائيل التي لم تكتفِ بتهجيرهم، بل مضت إلى تدمير منازلهم في عشرات القرى الجنوبية.
ومع ذلك، لا يزال حزب الله يتغنى بانتصاراتٍ وهمية، انتقاماً لمقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، غير عابئ بأن يدفع لبنان كله ثمن تلك الحسابات المذهبية التي وفرت لإسرائيل فرصة ذهبية لتحييد سلاح الحزب الذي أعجز الدولة اللبنانية طويلاً عن انتزاعه سلماً أو حرباً.
ولا يبدو المشهد أفضل حالاً في عراق الحشد الشعبي، ولا في اليمن غير السعيد بعيده، حيث لم تعد الدولة الحوثية الموازية تخجل من إعلان ولائها المطلق لنظام الملالي، على حساب ما تبقى من شرعية الدولة اليمنية المركزية.
أما السودان، فحدث ولا حرج.
بلادٌ تملك الملايين من شتى أنواع الثروة الحيوانية، جلُّها اليوم في كنف حكومة نيالا المليشياوية، بينما يمر العيد على أكثر من ثلثي الشعب وهم قابضون على جمر الحرب والجوع والخوف.
وباتت الأضحية حلماً بعيداً لأطفال الفقراء، في وقتٍ لا يشتري فيه “الخروف الملياري” سوى أولئك الذين يؤججون الحرب ويزدادون ثراءً من رمادها ودمائها هنا وهناك.
وها هي أنصال خطابهم الحربي، التي طالما أدمت القلوب وأغرقت البلاد في الموت والكراهية، ترتد اليوم إلى بعضها البعض، تنابذاً واتهامات وفضائح تملأ فضاءات الإعلام قبل الشوارع، بينما تتشقق في الطرف الآخر جدران الصفوف التي قامت أصلاً على أوهام اليقظة الطويلة.
ولعل أكثر ما يثير الأسى أن تلك الحروب التي رُفعت في بداياتها تحت رايات العقيدة أو المقاومة أو الكرامة الوطنية، انتهى كثيرٌ منها إلى أن يصبح عبئاً على الشعوب نفسها، حتى بات المواطن البسيط لا يسأل عن النصر والهزيمة بقدر ما يبحث عن مأوى ولقمة أمان وشيء من حياة طبيعية افتقدها طويلاً.
وها هي أنصال الخطاب الحربي، التي ظلت تُشحذ بالكراهية والتعبئة والصراخ، ترتد اليوم إلى صدور أصحابها، بعدما اكتشفت الشعوب أن أثمان الشعارات كانت أفدح من قدرتها على الاحتمال، وأن النوايا التي أُحيطت بهالات البطولة قد كشفتها النتائج على الأرض خراباً وتمزقاً وجوعاً وتشريداً.
فيا لثقل الأوطان حين تُختطف قراراتها باسم القضايا الكبرى، بينما يدفع الأبرياء وحدهم فاتورة الدم والجوع وفقدان الكرامة.
حسبنا الله ونعم الوكيل، وهو وحده العالم بخفايا السرائر، واللطيف بعباده حين تضيق بالناس أوطانهم وتضيق بهم نوايا من يحكمون مصائرهم.



