استمعت قبل أيام لشاب ما يتحدث بلهجة حادة جدا عن الغناء السوداني أو سمه إن شئت الأمدرماني ويفترض أنه يمثل ثقافة أهل نهر النيل والشمالية٫ وبذلك هو لا يظهر جهله بطبيعة ونشأة المغنى السوداني الحديث بل جهله بثقافة وطبيعة أهل تلك المناطق بل جهله بنشأة أم درمان .. اذ ذهب الرجل منتقدا أم درمان نفسها وله ولغيره أقول في هذا السودان المجمَّع، عاش كلُّ واحدٍ منّا داخل بيئةٍ تكاد تكون وطناً قائماً بذاته.
كانت حصتي من تلك البيئات قريةً صغيرة، لا يتجاوز عدد بيوتها الستة. شبه جزيرةٍ يعزلها الفيضان عن العالم كلما امتلأ النهر وتمدّد البحر من الجنوب إلى الشمال.. هناك، في أوائل سبعينات القرن الماضي، تشكّلت ذاكرتنا الأولى، لا على صخب المدن، بل على صوت الماء، ورائحة الطين، وتعاليم الكبار الصارمة.
لم تكن الإذاعة بالنسبة لنا سوى برنامج واحد تقريباً: “ربوع السودان”. أما ما عداه فكان ـ بحسب وصف الاباء ـ باباً إلى “المياعة” وفساد الأخلاق. كنا نصدقهم أحياناً ونخافهم دائماً.
ثم جاء اليوم الذي عاد فيه أحد أبناء بيوتنا الستة من السعودية، وكان اغترابه آنذاك أشبه بعبورٍ نحو العالم الآخر. عاد حاملاً جهاز تسجيل وعدداً كبيراً من أشرطة الغناء. اجتمع الناس حوله احتفاءً بالعائد والاحتفاء الأكثر كان بالجهاز نفسه، أذكر أن النهار في ضحاه حين انطلق من المسجل صوتٌ لم نألفه من قبل:
“بالحاصل بي إنت عالِمه
لكنك ظالمه وين يا ظبية المسالمة…”
كنا أطفالاً، ثلاثة أو أربعة، لا نفهم معنى الكلمات كاملة، لكن شيئاً ما في اللحن كان يهز أجسادنا الصغيرة. بدأنا نتمايل بعفوية، فإذا بأحد أعمامنا يزجرنا بعنف ويأمر بإغلاق الشريط فوراً. ثم استُبدل ذلك الصوت بصوت “حميرة”، ومنذ ذلك اليوم لم يعد ذلك المسجل يعرف فناناً غيرها وآخر لا أدري أين هو الآن اسمه ” الذكار” أما صاحب “ظبية المسالمة” فقد اختفى اسمه من ذاكرتنا طويلاً، حتى حسبته وهماً من أوهام الطفولة.
لكن الحقيقة أن تلك اللحظة الصغيرة كانت أعمق من مجرد أغنية مُنعت عن أطفال القرية. كانت مواجهةً كاملة بين عالمين’٠٠ عالم القرية المغلق الذي يخاف الحداثة، وعالم أم درمان الذي كان يتسلل إلى السودان كله عبر الغناء.
ثقافة أم درمان ـ أو الخرطوم إن شئت ـ لم يهضمها آباؤنا بسهولة,قاوموها باعتبارها ثقافة دخيلة، رخوة، مائعة، لكنها انتصرت في النهاية، لا لأنها فُرضت بالقوة، بل لأنها كانت أقرب إلى الطبيعة البشرية فهي أكثر تسامحاً، وأكثر انفتاحاً، وأكثر قدرةً على جمع السودانيين داخل وجدانٍ واحد. لم تكن ملكاً لقبيلة، ولا لإقليم، ولا لجنسٍ بعينه. كانت مشروعاً اجتماعياً غير معلن لإنتاج سودانٍ جديد.
لهذا تبدو لي “ظبية المسالمة” اليوم أكبر بكثير من أغنية غزل.
فالقصيدة، إذا أُعيدت قراءتها بعيداً عن بساطتها الظاهرة، تكشف عن نصٍّ يروّج لمدينةٍ جديدة كانت تتخلق ببطء داخل أم درمان. المدينة هنا لا تُعرّف بالشوارع والإسفلت، بل بمنظومة القيم التي تحملها التعليم، الرقة، الثقافة، الاختلاط الإنساني، والانفتاح على الآخر.
يقول الشاعر:
“في الأدب ممتازه
فيك طبيعه مسالمه”
هو لا يمدح جمال المرأة وحده، بل يربط الجمال بالأدب والسلوك، وكأن القصيدة تعيد تعريف الجاذبية الأنثوية وفق معايير حضرية جديدة, ثم يرتفع الخطاب أكثر حين يقول
“بي ثقافتك وعلمك
إزدهر واتطور”
وهنا تتحول “ظبية المسالمة” من امرأة إلى رمز لم يعد الحي يزدهر بجمالها الجسدي، بل بثقافتها وعلمها وهذا في سياق سودان ذلك الزمان خطاب شديد الحداثة؛ لأن المرأة لم تعد مجرد موضوع للغناء، بل شريك في صناعة التنوير المدني.
حتى اختيار “المسالمة” ليس بريئاً. فهذا الحي كان واحداً من أكثر أحياء أم درمان تنوعاً، سكنته جاليات متعددة من الأرمن والمصريين والشوام وغيرهم، وكان نموذجاً مبكراً لفكرة المدينة فإن القصيدة تحتفي ضمناً بالتعدد، وتربط الرقي بالاختلاط الإنساني لا بالانغلاق.
وحين يقول:
“حي المسالمه بيك يا رشيقه إتنور”
فإن النور هنا ليس نور الجمال فقط، بل نور الحداثة نفسها.
لهذا أرى أن “ظبية المسالمة” ليست مجرد أغنية عاطفية كما تعامل معها جيل آبائنا، بل نصٌّ تعليمي وترويجي لمدينة كانت تحاول الخروج من طور القرية إلى طور الحداثة. كانت أم درمان وقتها لا تزال أقرب إلى القرية منها إلى المدينة، لكن الغناء كان يقوم بما تعجز عنه السياسة والخطب: إعادة تشكيل الذوق العام، وتوسيع خيال الناس تجاه الحياة.
وربما لهذا السبب خافها الكبار.
فالأغاني العظيمة لا تغيّر ما نسمعه فقط، بل تغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا والعالم..
ولعل ذلك يبدو أكثر وضوحاً اليوم؛ فحين كان الغناء يحمل قيماً للجمال والرقة والثقافة، كان المجتمع ـ رغم فقره وبساطته ـ أكثر اتزاناً ورحمة. كانت الأغنية تُعلِّم الذوق، وتُهذِّب الإحساس، وتدعو الناس ـ ولو خفية ـ إلى حياة أكثر مدنية وإنسانية. أما الآن، فكلما انحط الغناء انحط معه شيء من أخلاق الناس، وضاعت القيم بالتدريج، حتى بتنا نحتفي ب “ تاح تاح تحسم بالسلاح” أكثر من الكلمة الجميلة التي تدعو إلى الخير والمعرفة.
لقد كانت “ظبية المسالمة” تحتفي بامرأة يزدهر الحي بعلمها وثقافتها، بينما تحتفي بعض أغنيات هذا الزمن بتلك التي تزوجت زوج صديقتها . وذلك وحده يكفي لنعرف كيف تغيّر السودان، وكيف انتقلنا من مجتمع كان الفن فيه يبني الذائقة العامة، إلى واقع صار كثير من فنّه انعكاساً مباشراً للخراب والانقسام والعنف.
فالفن، في نهاية الأمر، ليس ترفاً… بل مرآة الروح العامة للأمم
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية



