الأعمدة

أفول أصنام الطائفية

نزار عثمان السمندل
لا تنكسر الأصنام دفعة واحدة. تتآكل في الوعي قبل أن تتهاوى في الواقع، وتفقد بريقها قبل أن ينحسر حضورها. يتسلل إليها الصمت ببطء، ثم يبدأ الناس في رؤية ما كان محجوباً: فراغٌ كان يُسمّى هيبة، وظلٌّ كان يُدعى قداسة.
في هذا التوقيت الملتبس، طفا الجدل داخل تحالف «صمود» حول بند العلمانية في إعلان نيروبي، كأنه كشف متأخر لبنية تاريخية ظلت تعمل في الخلفية دون مساءلة كافية.
بالتالي، فإن اعتراض ممثلي حزب الأمة لا يبدو مجرد موقف تفاوضي حول وثيقة سياسية، بقدر ما هو امتداد لزمن طويل تشكّلت فيه السياسة السودانية داخل ظلٍّ واسع من الرموز الدينية والطائفية، حيث تداخلت الشرعية مع الإرث الروحي والاجتماعي.
تحت هذا الظل، ترسّخ تصور للدولة كامتداد للرمز، وتكرست الزعامة كمركز جامع للمعنى السياسي والروحي في وقت واحد. ومع تراكم الزمن، تحوّل هذا التصور من خيار سياسي، إلى بنية ذهنية مستقرة؛ تعيد إنتاج نفسها داخل الوعي العام.
هنا يستعاد ما ألمح إليه فريدريك نيتشه في «أفول الأصنام». لحظة تراجع النمط الرمزي الذي استقرّ طويلاً على أنه حقائق مطلقة، وبقي محمياً بالخوف والتقديس والعادة.
ضمن هذا النمط المركّب؛ تشكّلت الطائفية في السودان. فهي تبدو تنظيماً اجتماعياً، بينما تعمل في العمق كنظام وصاية يعيد توزيع الولاء، ويرسم شكل العلاقة بين الفرد والسلطة والرمز.
داخل هذا النظام، تتحول السياسة من ممارسة مدنية خالصة، إلى تناسل متواصل لشبكة من الرموز التي تلتف حول مركز واحد: الإمام، الزعامة، الإرث، الذاكرة الجمعية. ومع هذا التراكم، يتداخلَ المقدس مع اليومي، فتتلاشى الحدود الفاصلة بين الديني والسياسي، معظم اللحظات.
لكنّ البنية الاجتماعية تغيرت في العقود الأخيرة، على نحو أعمق مما هو ظاهر. التعليم، الهجرة، التحولات الرقمية، واتساع مصادر المعرفة، أعادت تشكيل الوعي، ودفعت أجيالاً جديدة إلى إعادة مساءلة المسلمات، فما عاد الخطاب التقليدي قادراً وحده على إنتاج الطاعة، ولا عادت الرموز التاريخية كافية لمنح الشرعية بذاتها.
بهذا المعنى، يغدو الجدل حول العلمانية تعبيراً عن تحول أعمق في تصور السلطة. وعندما تُطرح هذه الفكرة في سياق مثقل بالتاريخ الطائفي، يتخذ التوتر شكل مواجهة بين زمنين أكثر منه مجرد اختلاف في الصياغات.
التجربة السودانية منذ الاستقلال تكشف حجم التعقيد الذي رافق مزج الدين بالسياسة، فقد حملت الدولة التي نشأت في هذا التداخل تناقضاتها منذ البداية، وعانت في إنتاج نموذج مستقر للعدالة والتنمية والمشاركة، ومع كل دورة تاريخية، كانت الأصنام تتبدل أشكالها، بينما تبقى بنيتها الرمزية قادرة على إعادة إنتاج نفسها داخل المجال السياسي.
هذا البناء يقف اليوم، أمام اختبار تاريخي جديد، تتمايز فيه الصفوف بين الطائفة والمواطنة، بين الرمز والدستور، وتحديد ملامح الدولة المقبلة، التي تُبنى على عقد مفتوح بين أفراد متساوين، يملكون حق الاختلاف دون أن يُنتزع منهم حق الانتماء.
عند ذلك، يبدأ أفول الأصنام، ويبدأ اختبار قدرة البلاد على العبور من زمن الرموز المغلقة إلى زمن الدولة القابلة للمساءلة.
الأصنام لا تتهاوى بفعل خطاب مضاد. فهي تتساقط أيضاً حين تفقد قدرتها على تفسير العالم من حولها.

زر الذهاب إلى الأعلى