في البدء، وقبل الخوض في التاريخ السياسي القديم بكل ما حمله من قيم إيجابية ونقاط ضعف سلبية، لا بد من الإقرار بحقيقة عامة مفادها أن لكل زمان عقليته وأجياله ومعطياته التقنية والاجتماعية، وهي عوامل تنعكس بصورة طبيعية وحتمية على أساليب التواصل وإدارة الخلاف، تبعاً لاختلاف الأزمنة والأمكنة.
وقد قدر لي، منذ بواكير الشباب وانا احبو في بلاط صاحبة الجلالة الصحافة أن أعاصر حقباً متعددة من الأنظمة السياسية، العسكرية منها والديمقراطية. فشهدت ثلاث دورات من الحكم العسكري، تفاوتت في درجات بطشها وطول بقائها، كما عاصرت ثلاث فترات ديمقراطية قصيرة العمر، لم تخلُ هي الأخرى من الاضطراب والعجز، حتى كأنها امتلكت أدوات وأد نفسها بيدها، لا بيد عبود أو نميري أو البشير وحدهم.
وفي تلك المراحل كافة، كانت الخلافات السياسية تبلغ أحياناً حد التناحر الحاد، وتُستخدم فيها الصحافة والمنابر المختلفة وأدوات الصورة والصوت للتقليل من شأن الخصوم أو النيل منهم، سواء بين الأحزاب المتنافسة في عهود الحريات أو بين العسكريين أنفسهم حين يحتكمون إلى منطق القوة والسلاح.
لكن، والشهادة لله، لم يبلغ ذلك الخلاف يوماً مستوى السخف والانحدار الذي نشهده اليوم داخل المعسكر الواحد، وأعني تحديداً جماعات تأييد الحرب ومساندة الجيش.
فهؤلاء الذين التفوا منذ اندلاع الحرب حول المؤسسة العسكرية، وسخروا أقلامهم ومنصاتهم وإمكاناتهم السياسية والإعلامية والإبداعية دعماً لقادة الجيش، وأغدقوا عليهم أوصاف البطولة والتعظيم، أملاً في إدخالهم من أوسع أبواب التاريخ، هم أنفسهم الذين يرسمون اليوم صورة مغايرة تماماً.
فقد بلغ التراشق بينهم حداً من الإسفاف وسوء الظن وتبادل الاتهامات ما يصعب على القلم وصفه. ولم يعد الأمر مقتصراً على الناشطين في الفضاء الإسفيري، بل امتد إلى مستويات رسمية، حين خرجت على الملأ اتهامات متبادلة بين وزير الإعلام وبعض العاملين في القطاع الإعلامي والصحفي، تضمنت أوصافاً ونعوتاً لا تليق بخطاب عام يفترض أن يسعى إلى ترشيد الساحة الإعلامية لا إلى زيادة احتقانها.
والأدهى من ذلك أن بعض الناشطين تجاوزوا حدود اللياقة والأعراف السودانية الراسخة في إدارة الخلاف، لينحدروا إلى الطعن في السمعة والشرف، رجالاً ونساءً، في مشهد مؤسف لم يألفه المجتمع السوداني حتى في أكثر مراحل الاستقطاب السياسي حدة.
لقد عرف السودانيون خلافات سياسية وفكرية وجهوية عديدة، لكنها ظلت ـ في غالب أحوالها ـ تحتفظ بحد أدنى من الحصافة والتهذيب، بعيداً عن خطاب الكراهية والتخوين والعنصرية البغيضة التي باتت اليوم تتسلل إلى مساحات الحوار العام بصورة مقلقة.
ولا يبدو الأمر مجرد خلاف عابر بين أفراد أو مجموعات متنافسة، بل يحمل في طياته مؤشرات خطيرة قد تتجاوز دائرة السياسة إلى تهديد ما تبقى من التماسك الاجتماعي والوطني في بلد أنهكته الحروب والانقسامات. فالوطن الذي تتآكل أطرافه منذ سنوات لا يحتمل مزيداً من التشظي، ولا يحتاج إلى من ينفخ في جمر الفتنة المختبئ تحت رماد الأزمات المتراكمة.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري:
إذا كان الفريق الذي ظل حتى الأمس القريب محسوباً على خندق واحد قد بلغ به الخلاف هذا المستوى من الاحتقان، فماذا يمكن أن تفضي إليه أي دعوات لحوار سياسي شامل تدعو إليه دولة الحرب، وتسعى إلى جمع أطراف متناقضة في المبادئ، ومتباعدة في الأهداف، ومتباينة في الرؤى؟
وكيف يمكن لحوار وطني أن ينجح في أجواء مشحونة بالأحقاد والاتهامات، بينما يتولى القائمون عليه تحديد من يستحق الحضور من أصحاب الوجعة ومن يجب إقصاؤه تحديا بقرارات السلطة وأمزجتها السياسية؟
إن أي حوار حقيقي لا يمكن أن يقوم على تصفية الحسابات المؤجلة، ولا على سكاكين الترصد المخفية خلف شعارات التوافق، ولا في ظل سلطة عسكرية ما تزال تحلم بتعظيم نفوذها، أو حكومة مدنية لم تستقر بعد على أولويات واضحة أو مشروع جامع يبرر وجودها.
لهذا كله، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في اختلاف الآراء، وإنما في تحوّل الاختلاف إلى حالة من التخوين والكراهية والتشهير المتبادل، لأن الأمم لا تنهار حين تختلف، بل حين تفقد قدرتها على إدارة اختلافاتها.
والله من وراء القصد، وهو المستعان على مصائب هذا الوطن المكلوم بأبنائه قبل أعدائه.



