مررتُ وتوقفتُ عند صبيةٍ يلعبون الكرة في الميدان القريب من محطة المواصلات التي أقلّتني إلى حيِّ «الدنيا»، كما يطلق عليه أهله منذ نشأته. حيٌّ نبت برأسه في غمرة ترهُّل المدينة التي ضاق وسطها واكتظ بالعمران وحركة الإنسان.
حيَّاني أولئك الفتية حين سألتهم عن منزل صديقي الأستاذ «ناقش». فأشاروا إلى شارعٍ قالوا إن اسمه «المجهول»، يبدأ عند الزاوية الغربية لملعبهم. بل إن أحدهم، وكان يجلس على دكة الاحتياط، تبرع بمرافقتي حتى طرق الباب ثم انصرف مسرعاً.
تفاجأ صديقي بقدومي. طوى صحيفته المفضلة، وشدني إلى الداخل، وارتمى في حضني بشوق السنين التي فرقت بيننا منذ أيام عملنا وإقامتنا معاً في تلك المدينة الساحلية الساحرة في سبعينيات القرن الماضي.
ضحكنا كثيراً ونحن نتناول وجبة الغداء التي أعدتها زوجته، وقد قدمني إليها معرفاً ومقرظاً، ومستعيداً أيام الشباب حين لم نكن نفترق في غدونا ورواحنا.
سألته، مستغرباً، عن سر تسمية ذلك الشارع، بعد أن استلقينا في صالونه المتواضع بأثاثه والفسيح بكرمه.
اعتدل في جلسته، ووضع سفته بالطريقة المعهودة التي لم تتغير رغم السنوات، وأطال النظر إلى الباب كأنه يأخذني بيدي لأطوف معه في معالم الشارع وأعلامه. ثم انتبه إلى شغفي بالحكاية، وأنا أعرف قدرته الخارقة على الشرح والإسهاب، فقال:
ـ يا عزيزي، كأنك نسيت أن تسألني عن اسم الحي كله… «الدنيا»!
قلت: ـ وهل لهذه التسمية حكاية أخرى؟
صفق بيديه ناثراً ما علق بهما من بقايا التمباك وقال:
ـ نعم، كلها تساؤلات مشروعة.
ثم اتكأ على وسادته ليسترسل:
ـ هذا الشارع تجسيد مبسط لحالة الحي كله؛ اختلاف في الشخوص وتفاوت في العمران. ومن خصائصنا هنا في السودان، على الأقل قبل عقود، أننا لم نكن نكرس الطبقية كما يحدث الآن. كان الغني يقيم قصراً فخماً إلى جوار بيتٍ بسيط يعيش أهله فوق خط الفقر بقليل. ولذلك كان الناس يصفون بيوتهم للزائرين بقولهم: «بيتنا جنب البيت الكبير»… أليس كذلك؟
قلت: ـ بلى.
قال:
ـ شارعنا يعكس ذلك كله. وربما ليس في المظهر وحده، بل في الأخلاق أيضاً. أما أثرياء هذا الزمن فقد طالت رقابهم، لكن من حسن الحظ أنهم لم يعودوا يطيقون السكن بين أشكالنا هذه الأيام!
وأطلق ضحكته المجلجلة التي تتخللها نوبات السعال.
ثم استطرد:
ـ دعنا من التحليلات، ولأحدثك عن شخصيات الشارع.
فعندك عمك «كراب»… صاحب البقالة.
و«كراب» لقب اشتهر به، لأن اسمه الحقيقي المكتوب على اللافتة يناقض تماماً أخلاقه وسلوكه. فهو، على عكس هيئته الوقورة ولحيته الكثة، رجل مرابٍ يستغل حاجة الناس، ويزيد عليهم الأسعار، ولا يتورع عن مراودة الفتيات الصغيرات برغبته في الزواج منهن.
وحين يسمع أذان المسجد يكون أول من يغلق دكانه، ثم يطرد الشباب الجالسين في الفرندات وأمام البيوت، ويزجرهم بأقذع الألفاظ، واصفاً إياهم بالمطاميس.
لكن انظر إلى شخصية أخرى في الشارع: الفكي المعروف بـ«شيخ تبارك الله».
ظل سنوات طويلة معلم القرآن في الخلوة التي يرتادها صبية الحي والشوارع المجاورة. غير أن عمك كراب، مالك الأرض التي تقوم عليها الخلوة، طرده منها وحولها إلى مستودع لتخزين السلع، يخرجها عند مواسم الشح ليتحكم في الأسعار كما يشاء.
أما شيخ تبارك الله فقد سُمي كذلك لأنه لا يكاد يلقى أحداً إلا مبتسماً مردداً:
ـ ما شاء الله… تبارك الله.
لم يعرف أحد اسمه الحقيقي ولا من أين أتى.
وبعد أن أُبعد عن الخلوة، بنى له أهل الشارع غرفة صغيرة في فناء المسجد، يقيم فيها مع ابنه «الوديع»، الذي أصبح يتولى نظافة الجامع وملء الأزيار ورفع الأذان بعد أن تقدم والده في السن.
قلت:
ـ والله إنها حكاية تستحق الوقوف عندها.
واعتدلت في جلستي استعداداً لسماع المزيد.
جذب ناقش صبارة القهوة، وصب فنجالين، ومد إليَّ واحداً بلا سكر وهو يضحك:
ـ عارف… سكرك الداخلي زيادة يا حلو!
ثم أردف:
ـ علمت بإصابتك بالداء الصديق.
والتفت إليَّ قائلاً:
ـ وأزيدك من الشعر بيتاً.
فالمنزل الرمادي ذي الطابقين، قبل الأخير في الشارع، تملكه الست «بشاتن».
امرأة خمسينية ذات بقايا جمال آفل، وقوام فارع، ولون حنطي، ولسان سليط. لا أحد يعرف مصدر نفوذها وسطوتها حتى إن رئيس لجنة الحي نفسه يطلب ودها بالهدايا.
كثيراً ما تُرى أمام منزلها متعاركة مع هذا أو ذاك، وهي تتفاخر بأنها لا تهاب كبيراً ولا صغيراً.
أما الأستاذ «سرحة»، صاحب البيت الأخضر المجاور لها، فهو رجل غريب الأطوار.
لا يخرج إلى الشارع إلا عند العصريات، فيجلس على كرسيه ممسكاً بكتاب أو محتضناً مذياعه، يرد السلام على المارة من تحت نظارته السميكة، ثم يعود إلى منزله بعد المغرب ليعد مستلزمات السهرة.
وهناك ينتظر صديقه المعاشي «إحباط»، الذي يطرق الباب بيمناه بينما يخفي «المزاج» داخل كم جلبابه الأيسر.
أما تجهيز «العَضَّة» فهو من مسؤوليات سرحة؛ فتارة تكون فولاً أو بوشاً في أيام الضيق، وتارة ترتقي إلى الكوارع أو الشواء في مواسم اليسر وقبض المعاشات.
وحينها يتصاعد دخان الشواء ليلتقي بدخان حفلات الجارة بشاتن، تلك الحفلات التي لا يجرؤ أحد على السؤال عن طبيعة ضيوفها وضيفاتها.
وترتفع الضحكات من هناك، بينما تتصاعد نبرة النقاش من هنا، بين سرحة وإحباط، وهما يتجادلان حول أسباب تمدد الذراع الإمبريالية بعد سقوط جدار برلين، أو ثقب الأوزون، أو انحدار الخدمة المدنية، أو أي قضية تقع تحت أيديهما.
ولا ينتهي النقاش إلا عندما يخفت صخب دار بشاتن، ويبتلع الليل ضيوفها.
عندها ينهض إحباط متكئاً على كتف صديقه، وهما يرددان في نشوة مترنحة:
«عود لينا يا ليل الفرح…»
في نغم ضاحك يتخلله نباح كلاب الشارع، وهي تزفه إلى منزله.
وحين يصل، تفتح له زوجته الباب بوجه متجهم وشعر منكوش، فيهمس لنفسه:
ـ جاك الموت يا تارك الصلاة!
ثم تدفعه إلى الداخل وتغلق الباب بعنف.
كانت الضربة كأنها ارتطمت برأسي، فأفقت من متابعتي لذلك الشريط الطويل، ونظرت إلى صديقي ناقش الذي كان يتحدث في نعاس يشبه الحلم.
ولم ينتظر سؤالي التالي.
فقد غط في سبات عميق، وتركني أفكر في كيفية صياغة حكاية ذلك «الشارع المجهول» في حي «الدنيا»



