الأعمدة

متى تتلاقى حوارات الخارج والداخل؟

حينما وصلت الخلافات السياسية بين السلطة الحاكمة ومعارضيها في عهد الإنقاذ إلى مفترق طرق، وكان دخان الحرب يتصاعد تباعاً في جنوب البلاد، اتجهت الحكومة آنذاك إلى تطبيق سياسة شق صف الحركة الشعبية لكسر شوكة زعيمها الراحل الدكتور جون قرنق، وذلك عبر استقطاب عدد من القادة المقربين منه.
غير أن تلك الخطوة لم تغيّر كثيراً من موازين الواقع على الأرض، فكان الخيار الثاني هو فتح مسارات الحوار التي بدأت في أبوجا النيجيرية وانتهت في نيفاشا الكينية، حيث أفضت إلى اتفاق سلام أنهى الحرب، وقاد لاحقاً إلى حق تقرير المصير لأهل الجنوب الذين اختاروا الانفصال على خيار الوحدة الجاذبة مع الشمال.
والمغزى هنا أن نهاية المطاف لم تكن حرباً، وإنما كانت طاولة حوار.
وهكذا كان الأمر أيضاً مع الحركات المسلحة في دارفور، التي تتقاسم اليوم مواقع القيادة مع السلطة الحاكمة، بل وتحمل السلاح إلى جانبها في مواجهة الدعم السريع، ذلك التكوين الذي خرج أصلاً من رحم القوات المسلحة. ومع ذلك، ترفض الحكومة الجلوس معه للتفاوض، وتعيب على القوى المدنية التي تبحث عن السلام عبر المنابر الإقليمية والدولية، وتصفها بالخيانة والعمالة والاستقواء بالخارج، وكأن مثل هذه الوقائع لم تحدث من قبل في تجارب مشابهة.
بل إن محاولات اختراق الخصوم عبر شق صفوفهم تعود إلى الواجهة مرة أخرى في هذا الظرف، وكأنها هي الأخرى ظاهرة جديدة لم يشهد التاريخ القريب ما ترتب عليها من نتائج خاطئة زادت تعقيد الصراعات بدلاً من حلها.
فإذا كانت الحكومة تريد بالفعل معالجة قضية الحرب والسلام، ورسم مستقبل أمن البلاد، والإجابة على سؤال: كيف يُحكم السودان؟ وليس فقط من يحكمه، فلن يكون بمقدورها تحقيق ذلك عبر توافق مشروط يحدد مسبقاً من يحق له حضور حوارات الداخل، ومن يجب استبعاده من مفاوضات الخارج.
فالجبة التي تُفصَّل على مقاس السلطة، مهما بلغ إحكام حياكتها، لن تستر عورة وطن يعيش مأساة صنفت بأنها الأسوأ إنسانياً في عالمنا المعاصر.
لقد قلناها من قبل للجميع، عسكريين ومدنيين: إن لكل طرف من الأخطاء ما يستوجب الاعتذار أمام الوطن، لا أمام الحكام أو الخصوم. وبعد ذلك يأتي الجميع إلى حوار الداخل كأسنان المشط، متساوين في المسؤولية، ومتساوين في واجب البحث عن الخلاص.
فالداخل سيكون أوسع من كل الخارج، متى ما كان صدر الوطن مفتوحاً للجميع، ومتى ما صفّى أبناؤه صفحاتهم من أخطائهم وخطاياهم، دون أن يمنّ أحد على الوطن بحسنة فعلها، لأن ذلك واجب عليه، ودين مستحق في عنقه.
والله من وراء القصد.

زر الذهاب إلى الأعلى