عاجل الي دولة رئيس الوزراء : أعيدوا دراسة إنتاج خبز الطحين المركب Composite Flour بقلم السفير / رشاد فراج الطيب
في عالم اليوم لم تعد معارك السيادة الوطنية تُخاض فقط على الحدود أو في ساحات السياسة والدبلوماسية ، بل أصبحت تُخاض أيضاً في الحقول والمصانع ومراكز البحث العلمي وسلاسل الإمداد وأسواق الغذاء .
فالدولة التي لا تملك أمنها الغذائي تظل عرضة للتقلبات الخارجية مهما امتلكت من موارد أو إمكانات ، وتبقى قدرتها على اتخاذ القرار المستقل رهينة لما يطرأ على الأسواق العالمية من أزمات واضطرابات .
ومن بين الملفات التي تستحق إعادة النظر في السودان يبرز ملف القمح والخبز باعتباره واحداً من أكثر الملفات ارتباطاً بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي .
فقد أدى الاعتماد المتزايد على استيراد القمح إلى استنزاف مستمر للنقد الأجنبي وارهاق الخزينة والمواطن علي السواء ، وجعل تكلفة الرغيف الوطني مرتبطة بعوامل لا تملك الدولة السيطرة عليها ، من تقلبات الأسعار العالمية إلى اضطرابات النقل وسلاسل التجارة الدولية ، مروراً بالأزمات الجيوسياسية التي أصبحت تؤثر بصورة مباشرة على الأمن الغذائي للدول .
غير أن السؤال الذي ينبغي أن يطرح نفسه اليوم هو : هل يمكن للسودان أن يواصل إدارة ملف الخبز بالعقلية التقليدية نفسها ، أم أن الوقت قد حان للانتقال إلى مقاربة جديدة تجعل من الخبز مدخلاً للتنمية والسيادة الاقتصادية لا مجرد سلعة مدعومة ؟
من هنا تبرز أهمية مشروع الدقيق المركب (Composite Flour) القائم على خلط دقيق القمح بمحاصيل محلية مثل الكسافا ، والذرة الرفيعة ، والدخن وغيرها من المنتجات الزراعية التي يمتلك السودان فيها مزايا نسبية حقيقية .
فالفكرة ليست مجرد خفض تكلفة الإنتاج ، رغم أهمية ذلك ، وإنما بناء نموذج اقتصادي جديد يقوم على توظيف الموارد الوطنية لتقليل التبعية الخارجية وتعظيم القيمة المضافة المحلية .
لقد أثبتت تجارب عديدة حول العالم ، وفي مقدمتها التجربة النيجيرية ، أن الخلط المدروس بين دقيق القمح ومحصول الكسافا او (البفرة) يمكن أن يحافظ على جودة الخبز ومقبوليته لدى المستهلك ، وفي الوقت نفسه يخفف من الاعتماد على الواردات وتخفيض فاتورة شراء القمح أو حتي انتاجه .
كما أن التطور التقني في صناعة الأغذية جعل من الممكن إنتاج أنواع متعددة من الخبز والمخبوزات باستخدام نسب متفاوتة من الدقيق المركب دون التأثير الكبير على الخصائص الفنية للمنتج .
فكل طن من الكسافا أو الذرة الرفيعة أو الدخن يدخل في صناعة الخبز يعني طلباً إضافياً على الإنتاج الزراعي المحلي ، وفرصة عمل جديدة في الريف ، وحافزاً للاستثمار في التصنيع الزراعي ، وتخفيضاً للضغط على احتياطيات النقد الأجنبي .
وبعبارة أخرى ، فإن الرغيف يمكن أن يتحول من بند استهلاكي إلى محرك للتنمية الاقتصادية .
ولعل ما يمنح هذا المشروع بعداً استراتيجياً إضافياً هو إمكانية ربطه بمفهوم التكامل الاقتصادي الإقليمي ، وخاصة بين السودان وجنوب السودان ودول افريقية أخري .
فالكسافا ، أو “البفرة” كما تعرف في بعض المناطق ، تعد من المحاصيل الرئيسية التي تتميز بقدرة عالية على الإنتاج في البيئات الاستوائية والرطبة .
وفي المقابل يمتلك السودان خبرات أوسع في مجالات هندسة الطحن والتصنيع الغذائي والأسواق والاستهلاك .
وليس من قبيل التنظير المجرد أو الأحلام المؤجلة أن يُطرح هذا المشروع اليوم .
فمن واقع الشهادة المباشرة لكاتب هذه السطور ، الذي كان يعمل خلال الفترة 2017-2020م منتدباً إلى رئاسة الجمهورية ، فقد تم آنذاك وبرعاية من رئاسة الجمهورية تكوين لجنة مشتركة ضمت مختصين من جامعة الخرطوم والإدارة الاقتصادية التابعة للإدارة العامة للشؤون السياسية برئاسة الجمهورية ، وذلك لدراسة مشروع الدقيق المركب وإمكانية الاستفادة من التجارب الدولية في هذا المجال ، وعلى وجه الخصوص التجربة النيجيرية في إنتاج الخبز والمخبوزات باستخدام خليط من دقيق القمح والكسافا .
وفي التجارب المختلفة للدول نجد أن الدقيق (المركب) هو خليط من نوعين أو أكثر من الدقيق و قد يخلط مع :
الحبوب ( قمح ، ذرة ، أرز ، ذرة رفيعة)
أو البقوليات ( فول الصويا ، الحمص ، العدس )
أو الجزور ( الكسافا ، البطاطس ، واليام )
وقد قامت اللجنة بزيارة ميدانية إلى نيجيريا واطلعت بصورة مباشرة على تجربة خلط ( القمح مع الكسافا ) من مختلف جوانبها الزراعية والصناعية والتجارية ، ووقفت على التطبيقات العملية لإنتاج الخبز المخلوط ومدى قبوله لدى المستهلكين ، كما اطلعت على الآثار الاقتصادية التي حققتها التجربة في تقليل الاعتماد على القمح المستورد وخفض فاتورة النقد الأجنبي وتعزيز القيمة المضافة للمنتجات المحلية .
وخرجت اللجنة بجملة من النتائج والتوصيات العملية الواعدة التي أكدت جدوى المشروع وإمكانية تطبيقه في السودان ، مستفيداً من موارده الزراعية الهائلة وتنوعه المناخي وامتداده الجغرافي .
غير أن المشروع ، وللأسف ، لم يجد طريقه إلى التنفيذ ، شأنه شأن كثير من المبادرات الوطنية والأفكار الخلاقة التي وُضعت على الطاولة ثم غابت عنها المتابعة أو غلبتها أولويات أخرى فرضتها الظروف السياسية والاقتصادية .
إن استحضار هذه التجربة اليوم ليس من باب العودة إلى الماضي ، وإنما للتأكيد على أن بعض الحلول التي نبحث عنها حالياً قد تمت دراستها بالفعل ، وأن الدولة ليست بحاجة إلى البدء من نقطة الصفر ، بل إلى البناء على ما تراكم لديها من معرفة وخبرة ومخرجات دراسات ومشروعات سابقة .
إن العالم يتجه اليوم نحو تنويع مصادر الغذاء وتقليل الاعتماد على سلعة واحدة أو مورد واحد .
وقد أثبتت الأزمات الدولية المتلاحقة أن الإفراط في الاعتماد على الواردات يشكل نقطة ضعف استراتيجية للدول ، مهما بلغت قدراتها المالية .
ولذلك فإن الدول الراشدة لا تنتظر وقوع الأزمات ، بل تبادر إلى بناء منظومات إنتاج غذائي أكثر مرونة وتنوعاً وقدرة على الصمود .
وللسودان من الموارد الطبيعية والتنوع المناخي والمساحات الزراعية ما يؤهله ليكون من أكثر الدول قدرة على تبني هذا التوجه .
غير أن النجاح يتطلب إرادة سياسية واضحة ، ورؤية اقتصادية بعيدة المدى ، وتنسيقاً مؤسسياً بين قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة والبحث العلمي ، إضافة إلى إشراك القطاع الخاص في الاستثمار والإنتاج والتسويق .
ومن هذا المنطلق ، فإننا نوجه الدعوة اليوم إلى رئاسة مجلس الوزراء والوزارات والمؤسسات الاقتصادية المختصة لإعادة فتح ملف الدقيق المركب ، واستدعاء الفريق الذي أشرف على تلك الدراسة أو الاستفادة من تقاريره ومخرجاته وخبراته المتراكمة ، وإجراء مراجعة فنية واقتصادية محدثة لقياس جدوى المشروع في ظل المتغيرات الراهنة .
فربما تكون بعض الحلول التي يبحث عنها السودان للخروج من أزماته الاقتصادية كامنة في تلك الدراسات التي أُنجزت بعناية ولم تُمنح فرصتها الكاملة للتنفيذ .
إن مشروع الدقيق المركب ليس مشروعاً فنياً يتعلق بصناعة الخبز فحسب ، بل هو مشروع سيادي بامتياز .
فهو يتصل بالأمن الغذائي ، والاستقلال الاقتصادي ، واستقرار العملة الوطنية ، وتنمية الريف ، وتعزيز التكامل الإقليمي ، وخلق سلاسل إنتاج جديدة تربط بين المزارع والمصنع والسوق والمستهلك .
وفي هذا السياق ، تبدو الحاجة ماسة إلى مقاربة أوسع تتجاوز مجرد توفير الغذاء إلى مراجعة جودة الغذاء نفسه .
فخلال السنوات الأخيرة برزت مبادرات فكرية وصحية مهمة لإعادة النظر في أنماط الاستهلاك الغذائي السائدة ، ومن بينها مشروع ” الطيبات ” الذي طرحه الدكتور الراحل ضياء العوضي ، والذي دعا إلى مراجعة شاملة لجودة الطعام ومصادره ومكوناته ، والعودة قدر الإمكان إلى الأغذية الأقرب إلى طبيعتها الأصلية ، والتقليل من الاعتماد على المنتجات المفرطة في التصنيع والتكرير ، وفي مقدمتها الدقيق الأبيض المكرر .
ورغم اختلاف المنطلقات بين مشروع الطيبات ومشروع الدقيق المركب ، فإن كليهما يلتقي عند نقطة جوهرية تتمثل في ضرورة إعادة بناء العلاقة بين الإنسان وغذائه ، وبين المجتمع وموارده المحلية ، بما يحقق معادلة تجمع بين الأمن الغذائي والصحة العامة والاستدامة الاقتصادية .
لقد ظل السودان لعقود طويلة يبحث عن مفاتيح النهضة الاقتصادية في الخارج ، بينما تمتد بعض هذه المفاتيح أمامه في حقوله ومزارعه وموارده الطبيعية .
وربما يكون الوقت قد حان للانتقال من سؤال : كيف نستورد المزيد من القمح ؟ إلى سؤال أكثر أهمية وعمقاً : كيف نعيد تصميم منظومتنا الغذائية بأكملها على أسس من السيادة الوطنية والكفاءة الاقتصادية والصحة العامة وترشيد وإعادة تشكيل أنماط الاستهلاك والثقافةالغذائية بأكملها .
فالأمم لا تؤمن مستقبلها بما تشتريه من الخارج ، وإنما بما تنتجه من الداخل ، وما تحسن توظيفه من مواردها وإمكاناتها .
يجب أن نجعل من رؤية رغيف الخبز نقطة انطلاق نحو تعريف وفهم أعمق لمفهوم الأمن الغذائي ، والسيادة الاقتصادية وصحة الإنسان السوداني وكفاءة إدارة الموارد والنقد الأجنبي الشحيح ، وهي رؤية تستحق أن تخرج من دائرة النقاش إلى فضاء السياسات العامة والبرامج التنفيذية .



