دولة المليشيات القبلية هو ما ستنتهي إليه حرب الكرامة ومعركة الديمقراطية ما لم نجترح مقاربة جديدة

د. بكري الجاك
الطبيعي أن يكون لكل فرد تصور عن العالم من المهد إلى اللحد، وهذا التصور يتطور بالمعارف والتداخل، ولكن جذره الأول هو الثقافة السائدة التي في أبسط مستوياتها تعني أسلوب الحياة من قيم ومثل وكيفية استقبال المواليد وكيفية الدفن وغيرها. وتمثل الثقافة العقد الاجتماعي الأولي لعلاقة الفرد بالجماعة سواء كانت قبيلة أو عشيرة. فكرة الدولة الحديثة أصلاً قامت على عقد اجتماعي جامع لمكونات ثقافية متعددة، وأهم أركان هذا العقد وظائف الدولة المتمثلة في احتكار الدولة للعنف واستخدامه وفق إطار قانوني ودستوري وتنظيم المجتمع وإنفاذ التعاقدات بين الأفراد والمجتمعات.
وقدرة الإنسان على فعل أي شيء إذا أراد أن يستخدم قدرته على الفعل، أي مفهوم الـ Agency، تبدأ بالموقف الأخلاقي، وهو أضعف الإيمان، وعادة يتمثل في شكل الدولة أو المجتمع الذي يرغب الفاعل الاجتماعي والسياسي في تحقيقه مثل دولة المواطنة المتساوية أو العدالة الاجتماعية أو النهضة التنموية. ولكي يتمكن الفرد من الانتقال من الموقف الأخلاقي إلى التطبيق يحتاج إلى أدوات، وهذه الأدوات تتطلب وجود قوة صلبة (أدوات العنف) وقوة ناعمة (وسائل المحاججة والإقناع عبر أدوات التأثير الثقافي)، وإذا امتلك الفاعل السياسي أدوات كافية من القوة يصبح بإمكانه فرض إرادته كاملة لتحقيق التغيير الذي ينشده، وحينها لا حاجة به للتفاوض الذي بالضرورة لا يعني حصول الفاعل على كل ما يريد أو ما يعرف بالـ Maximaliism. وأفضل خلاصات التفاوض حينما تخلق معادلة ترى فيها كل الأطراف أنها حققت مكاسب أكبر مما تخلت عنه، أي ما يعرف بالـ win-win strategy. أما إذا لم يكن للفاعل قدرة كافية على فرض إرادته كاملة غير منقوصة فليس أمام الفاعل إلا خيار التأثير أو التراجع إلى الموقف الأخلاقي (مثل ما تفعل بعض القوى السياسية) الذي فقط يكتفي بالتوصيف، وعادة يبدأ بـ(يجب أن يكون كذا وكذا). وللقوة مصادر خمسة معروفة حسب الباحث French وهي: ١. السلطة المخولة بموجب مرجعية قانونية، ٢. القدرة على توقيع العقاب أيًّا كان نوعه، ٣. القدرة على منح الهبات، ٤. الكاريزما، و٥. القوة العارية المتمثلة في أدوات العنف. وبالضرورة كل فاعل سياسي يسعى إلى توسيع مصادر قوته إما لفرض إرادة أو لزيادة فعالية التأثير، والمتعارف عليه أن هناك تصورين لمفهوم القوة: إما محدودة إذا حصل عليها فاعل سيحرم منها آخر، أو أنها غير محدودة وكل الفاعلين بإمكانهم زيادة قوتهم، أي أنها ليست zero sum game أو معادلة صفرية.
كل هذه المقدمة والتعريف بالبديهيات أن في الحروب الحديثة من النادر أن يستطيع طرف أن يفرض إرادته بالكامل، أي الإخضاع عبر وسائل القوة الصلبة، وما الحرب إلا وسيلة لتحسين الموقف التفاوضي لكل طرف. ولكي تنجح أي عملية تفاوض للوصول إلى حلول مستدامة لا بد أن تكون نتيجة التفاوض مرضية لكل طرف، بمعنى أنها معادلة رابحة لكل طرف. في سياق حربنا الضروس يبدو أن معسكري الحرب الآن ما زالا يتمسكان بالحد الأعلى أو الـ Maximaliist Position، أي تحقيق كل ما يريدان دون امتلاك أدوات القوة الكافية لفرض إرادة على المعسكر الآخر، ولذلك كل طرف يحارب وفي ظنه أنه سيستطيع عبر المعارك الوصول إلى مرحلة لإخضاع الطرف الآخر لإرادته. وبقراءة بسيطة لما خلفته حرب ١٥ أبريل من دمار للبنية المادية وتمزيق للنسيج الاجتماعي وانقسام وجداني وكراهية ورغبة في الانتقام، يبدو جلياً أن فكرة نصر عسكري حاسم لفرض إرادة لا تبدو ممكنة، ليس فقط لمعطيات الواقع العسكري الميداني، ولكن للطبيعة المتغيرة للحرب وما أحدثته من متغيرات اجتماعية وسياسية، بالإضافة إلى الصراع الإقليمي وتأثيراته الضخمة على السودان، لا تنبئ بإمكانية حدوث انتصار يؤدي إلى فرض إرادة وإخضاع كما كان يحدث في الحروب القديمة.
وعليه أعتقد أننا أمام ثلاثة سيناريوهات (أو خيارات كفاعلين سياسيين)، وهي:
أولاً، استمرار الحرب الذي لا محالة سيؤدي إلى تفكك معسكري الحرب وسيحول البلاد إلى كانتونات عسكرية تحكمها مليشيات قبلية.
ثانياً، أن تتعاظم الكارثة الإنسانية أكثر مما هي عليه، وأن يتحرك المجتمع الدولي والإقليمي لإيقاف الحرب عبر تسوية بين معسكري الحرب، وتنجح خطط بعض دول الإقليم في جعل معسكر البرهان دبيبة السودان عبر حوار مصنوع وتمثيلية لاستعادة عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي، وأن تصبح تأسيس حفتر السودان، ويتم تجميد الصراع، وهو النموذج الأكثر شيوعاً في جل النزاعات من كشمير إلى ليبيا واليمن وغيرها.
ثالثاً، أن تتخلق إرادة سياسية داخلية تتجاوز مصالح معسكري الحرب، ويقابلها جهد دولي يحد من التأثير الخارجي للوصول إلى حل سياسي يخاطب جذور وأمهات القضايا، وعلى رأسها قضية الوصول إلى منظومة أمنية وعسكرية قومية ومهنية قادرة على احتكار العنف، ومسألة المواطنة المتساوية والتنمية المتوازنة التي تخاطب التهميش الاجتماعي والاقتصادي.
خلاصة القول، الأجدى للشعوب السودانية المكتوية بنيران هذه الحروب ولمعسكري الحرب الوصول إلى حقيقة صارت بديهية بفعل الواقع المادي ومنطق الأشياء، أنه لا يوجد معنى أو تعريف للنصر، وأن استمرار الحرب ليس فقط خسارة للجميع، بل إنه سيخلق واقعاً سيخرج من سيطرة الفاعلين العسكريين، وهو ما يقود إلى دولة كانتونات تحكمها مليشيات قبلية. وقديماً قيل إن التجربة خير وسيلة للتعلم، أي أن the proof is in the pudding، وها نحن قد خبرنا “بليلة” الحرب، وإذا كان هذا الخراب والدمار والموت والمعاناة لم يورثنا أي حكمة حتى الآن، فعلى الأرض السلام.
بكري الجاك



