الأعمدة

لماذا سيكون مشروع قانون سلام السودان خطرا على الأرادلة و الكيزان؟

مجاهد بشري
عندما تناقش لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي مشروع قانون السودان الجديد صباح الغد بتوقيت الولايات المتحدة، فإن الأمر يتجاوز كثيراً مجرد إصدار تشريع آخر يتعلق بالعقوبات أو المساعدات الإنسانية، فخلف النصوص القانونية والمواد الإجرائية يكمن تحول سياسي مهم جدا في طريقة فهم واشنطن للحرب السودانية نفسها، وللقوى التي دفعت البلاد إلى هذا المسار منذ انهيار الفترة الانتقالية وحتى اليوم.
على مدى السنوات الأولى من الحرب، ركزت معظم المواقف الدولية على التعامل مع النتائج الكارثية للصراع، حيث كان الحديث يدور حول النازحين واللاجئين والمجاعة وانهيار الخدمات الأساسية، وكانت الأولوية بالنسبة للمجتمع الدولي تتمثل في احتواء التداعيات الإنسانية ومنع السودان من الانزلاق إلى كارثة أكبر، لكن مع الوقت بدأت دوائر صنع القرار الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، في الانتقال من سؤال “كيف نعالج آثار الحرب؟” إلى سؤال أكثر أهمية وخطورة: “من الذي أوصل السودان إلى هذه الحرب، ومن المستفيد من استمرارها؟”
هذا التحول لم يأت من فراغ. فمنذ تعثر الانتقال المدني الذي بدأ بعد سقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019، ظلت المؤسسات الأمريكية والغربية تراقب التدهور المتسارع في المشهد السياسي السوداني، ومع انقلاب أكتوبر 2021 وما تلاه من انهيار للشراكة المدنية العسكرية، بدأت تتشكل قناعة متزايدة داخل العديد من العواصم الغربية بأن الأزمة السودانية ليست مجرد صراع على السلطة بين أطراف متنافسة، بل نتيجة مباشرة لفشل مشروع الانتقال الديمقراطي وعودة قوى مرتبطة بالنظام السابق إلى التأثير في مؤسسات الدولة ومراكز القرار.
ولعل أحد أبرز المؤشرات على هذا التحول كان بيان الرباعية الدولية الذي صدر في سبتمبر 2025، والذي اعتبر أن القوى المرتبطة بالحركة الإسلامية تمثل أحد العوامل الرئيسية التي أعاقت الانتقال المدني وأسهمت في استمرار الصراع واشعال الحرب، وبغض النظر عن المواقف المختلفة من هذا التوصيف، فإن أهميته تكمن في أنه كشف عن تغير واضح في اللغة السياسية المستخدمة من قبل الأطراف الدولية المؤثرة، فبعد أن كان التركيز منصباً على وقف إطلاق النار وترتيبات التفاوض، بدأ الحديث يتجه نحو جذور الأزمة والقوى التي يُنظر إليها باعتبارها مستفيدة من استمرار حالة الحرب والانسداد السياسي.
من هذا المنظور يمكن فهم مشروع القانون الجديد، فالنص لا يتعامل مع الحرب بوصفها مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، بل يتناول شبكة واسعة من القضايا تشمل التمويل، والعقوبات، والانتهاكات، والدعم الخارجي، وشبكات المصالح الاقتصادية المرتبطة بالنزاع. كما يطالب الإدارة الأمريكية بإجراء مراجعات وتقييمات واسعة للأطراف والجهات المتورطة في الحرب، وهو ما يعكس رغبة متزايدة داخل الكونغرس في الانتقال من إدارة الأزمة إلى محاسبة الجهات التي ساهمت في إنتاجها أو استمرارها.
وما يمنح المشروع ثقله السياسي أن رعاته ينتمون إلى الحزبين الجمهوري والديمقراطي معاً، وفي واشنطن، غالباً ما تكون هذه النقطة أكثر أهمية من نص القانون نفسه، فالتوافق بين الحزبين حول ملف خارجي يعني أن القضية لم تعد مرتبطة بإدارة معينة أو بتوجه سياسي مؤقت، بل أصبحت جزءاً من رؤية أوسع داخل المؤسسة الأمريكية، وهذا ما يجعل السودان يعود مجدداً إلى دائرة الاهتمام السياسي بعد فترة طويلة تراجعت فيها القضية السودانية أمام ملفات دولية أخرى أكثر حضوراً في الإعلام.
ويتضمن المشروع بنوداً تتعلق بتتبع مصادر التمويل والأصول الاقتصادية المرتبطة بالأطراف المسلحة، وهي نقطة بالغة الأهمية لأن الحروب الحديثة لا تستمر فقط بفضل السلاح، بل بفضل الاقتصاد الذي يغذي السلاح، فمن يملك الموارد يملك القدرة على مواصلة القتال، ومن يستطيع الوصول إلى مصادر التمويل يستطيع إطالة أمد الحرب حتى في ظل الضغوط السياسية والعسكرية. ولهذا السبب يبدو أن واضعي المشروع ينظرون إلى الاقتصاد الحربي بوصفه أحد مفاتيح فهم الأزمة السودانية، وربما أحد مفاتيح إنهائها أيضاً، وهو الاقتصاد الذي تضع الحركة الاسلامية برعاية الجيش يدها عليه اليوم.
كما يركز المشروع على الأدوار الخارجية في النزاع السوداني، وهي مسألة أصبحت أكثر حضوراً خلال العامين الماضيين، فالسودان لم يعد يُنظر إليه باعتباره ساحة صراع داخلية فحسب، بل باعتباره جزءاً من معادلة إقليمية ودولية أكبر تتداخل فيها مصالح متعددة مرتبطة بالبحر الأحمر والموارد الطبيعية والتوازنات الجيوسياسية في المنطقة، ومن هنا تأتي المطالبة بإعداد تقارير دورية حول الجهات الخارجية التي تقدم دعماً سياسياً أو مالياً أو عسكرياً لأطراف الحرب.
لكن ربما تكون النقطة الأكثر حساسية في النقاش الدائر داخل واشنطن هي مسألة المستقبل السياسي للسودان نفسه، فالسؤال الذي يشغل العديد من صناع القرار لم يعد مقتصراً على كيفية وقف القتال، بل يمتد إلى طبيعة النظام السياسي الذي يمكن أن يحقق الاستقرار بعد الحرب، فمن الواضح ان الاسلاميين و حلفائهم من الحركات المسلحة لن يكونوا جزء من النظام السياسي الذي سيحقق الاستقرار في السودان بعد ان كانوا. احد عوامل قطع الطريق نحو التحول المدني الديمقراطي، ولهذا السبب يتكرر الحديث عن الانتقال المدني والحكم الديمقراطي ومؤسسات الدولة الشرعية بصورة أكبر من أي وقت مضى، فهناك إدراك متزايد بأن أي تسوية لا تعالج أزمة الشرعية السياسية وأزمة الحكم في السودان قد تؤدي فقط إلى تأجيل الصراع لا إلى إنهائه.
وعلى هذا الأساس، فإن أهمية مشروع القانون لا تكمن في العقوبات التي قد يفرضها أو التقارير التي سيطلبها فحسب، بل في الرسالة السياسية التي يحملها، هذه الرسالة تقول إن النقاش الأمريكي حول السودان دخل مرحلة جديدة، مرحلة لم يعد فيها التركيز مقتصراً على المساعدات الإنسانية أو جهود الوساطة، بل أصبح يشمل مساءلة البنى السياسية والاقتصادية التي ساهمت في إفشال الانتقال المدني وإطالة أمد الحرب مثل جماعة الكتلة الديمقراطية “الإرادلة” و الاسلاميين.
ولهذا فإن جلسة مجلس الشيوخ المقبلة تستحق المتابعة بعناية، فحتى إذا لم يتحول المشروع إلى قانون بصورة فورية، فإن مجرد طرحه ومناقشته داخل أهم لجنة مختصة بالسياسة الخارجية في الولايات المتحدة يكشف عن اتجاه جديد في التفكير الأمريكي تجاه السودان، وهو اتجاه قد تكون له انعكاسات كبيرة على الأطراف المتحاربة، وعلى الجهات الداعمة لها، وعلى مستقبل العملية السياسية السودانية بأكملها.
فالسؤال الذي بدأ يطرح نفسه بقوة داخل واشنطن لم يعد فقط: كيف يمكن إيقاف الحرب؟ بل أصبح: من الذي استفاد من هذه الحرب، ومن الذي أعاق الانتقال إلى الحكم المدني، ومن الذي يجب أن يتحمل المسؤولية السياسية والقانونية عن ذلك؟ وربما يكون هذا التحول في طبيعة الأسئلة هو التطور الأهم في المشهد السوداني منذ اندلاع الحرب نفسها.
#ماعدا_المؤتمر_الوطني #لاللحرب

زر الذهاب إلى الأعلى