بالأمس كنت قد كتبت رداً على مقال للدكتور مصطفى عثمان إسماعيل، وألخص الآن أهم النقاط التي وردت فيه، وما أثارته من أسئلة تستحق التوقف عندها.
اعترف الرجل بفساد وتمكين وإخفاقات حكم الإنقاذ سياسياً، داخلياً وخارجياً، وبفشله الاقتصادي والعسكري، ثم ألقى، بلغة ناعمة، باللائمة على تحالف «صمود»، متهماً إياه برفض الجلوس معهم والتحاور حول إحلال السلام، وهو ـ ويا للمفارقة ـ ذات السلام الذي ظل الإسلاميون يرفضون، على مدى سنوات الحرب اللعينة، الجلوس إلى طاولته أو قبول شروطه ومساراته!
ثم سجل اعترافاً ضمنياً بأن الدكتور غندور والدكتور عبد الرحمن الخضر، إلى جانبه، كانوا قد عارضوا مبدأ إشعال الحرب في اجتماع تشاوري سبق انطلاق شرارتها الأولى، بينما أقرّ ذلك نفر آخر من شيوخهم.
وأضاف أن شبابهم من الكتائب المسلحة قد غادروا ساحات القتال، وأن من يتحمل مسؤولية استمرار الحرب، بحسب ما ذهب إليه، هو الفريق البرهان وحده!
وتأكيداً لذلك، قرأنا اليوم كلاماً لقائد كتائب البراء الشاب المصباح أبو زيد، وهو يعلن التحول إلى العمل المدني، وقد ظهر في أكثر من صورة بالزي المدني.
ثم طالعنا مقالاً للسيد عثمان يوسف كبر، يناشد فيه الفريق البرهان أن يتراجع عن خطابه الأخير الذي أعلن فيه استبعاد المؤتمر الوطني من أي تفاوض حول إحلال السلام ورسم صورة مستقبل الحكم خلال الفترة الانتقالية المتوقعة.
والمفارقة أن هذا هو ذات السيد كبر الذي ظهر في تسجيل مسرب بصورة بدت مهزوزة، قلل فيها من أهمية دور البرهان في نظر الإسلاميين، قبل أن يتولى قيادة الجيش ورئاسة مجلس السيادة!
ثم كان من اللافت أيضاً ما نشره الدكتور عبد الرحمن الخضر، مناشداً، بما يشبه الاستجداء السياسي، تحالف «صمود» العودة إلى مسار التفاوض، وألا يستنكف قادته عن الجلوس معهم كإسلاميين، طالما أنهم يريدون ـ على حد المعنى الذي حملته عباراته ـ أن يسلكوا معهم هذا الطريق بصدق نية.
بل ذهب إلى القول إن الكرة الآن في ملعب «صمود»، وإن عليه أن يكون أكثر واقعية في تعاطيه مع اللجنة الخماسية، وألا يضيّع هذه الفرصة!
بهذه اللغة الرقيقة والناعمة بات بعض قادة التيار الإسلامي يوجهون خطابهم إلى ذلك التحالف الذي طالما كالوا لقادته الاتهامات، ونعتوهم بالخيانة العظمى والعمالة للخارج، وأمطروهم بعبارات التهديد، حتى جعلوا العودة إلى أرض السودان بالنسبة لهم حلماً مستحيلاً، على شاكلة المثل الشعبي الشهير: «لحسة الكوع»!
بل إن بعض قادته ما زالوا مطلوبين للمثول أمام المحاكم بمختلف التهم، واعتُبروا هاربين من عدالة سلطة لم تتغير فيها الوجوه، ولم تتوقف الحرب التي نُسبت إليهم تهمة الإعداد لها عبر الاتفاق الإطاري، ومحاباة الدعم السريع، واعتبار حديثهم عن الحياد بين معسكري الصراع الدامي مجرد فرية لإخفاء انحيازهم للدعم السريع، لا أكثر!
فما الذي استجد، يا ترى؟
هل تبدلت «صمود» من شيطان يصب الزيت على نار الحرب إلى ملاك يحمل مفتاح جنة السلام؟
أم أن الإسلاميين قد وجدوا أنفسهم، بعد كل هذه السنوات، عاجزين عن بلوغ ذروة العودة والسيطرة على مقاليد الحكم من جديد، ومن وراء دخان الحرب؟
أم أنهم بلغوا حداً من القناعة بعدم جدوى الحرب كخيار يمكن أن يضمن لهم، ولو الحد الأدنى، من المشاركة السياسية، بعد أن استنفدوا كل وسائل إقناع الشارع العريض بإمكانية تحقيق انتصار مؤزر فيها، وبدأت أصوات المنادين بخيار «بل بس» تخفت تحت وطأة تفاقم أزمات المواطن المعيشية والخدمية، وكراهية الاقتتال، ورائحة الدم، وفقد الأنفس، وخراب العمران؟
أم خشي أهل التيار الإسلامي والمؤتمر الوطني أن يندلق ما تبقى لهم من ترياق لمعالجة أزمتهم، التي استطالت قبل سقوط حكمهم واستفحلت بعده، بعد أن بدأ اليأس يتسلل من جدوى استمرار الحرب؟
أم أنه ما يشبه الندم بعد «خراب سوبا»، كما يقول المثل الشعبي؟
كلها أسئلة مشروعة نوجهها إلى أولئك القادة الإسلاميين، مثلما نريد، في المقابل، تفسيراً أكثر تفصيلاً ووضوحاً من تحالف «صمود» يبرر موقفه الرافض لأي فرصة للسلام تلوح خلف ضبابية هذه المرحلة، وذلك تجاوزاً للخطوط العريضة التي يتحدث بها التحالف، إلى ما وراءها، والغوص في ثنايا السطور لمعرفة الأسباب الحقيقية التي تقف وراء موقفه.
فالحرب، بعد كل ما دفعه السودان من دم ودمار، لم تعد تحتمل كثيراً من المناورات السياسية، كما أن السلام لا ينبغي أن يكون مجرد شعار يرفع عندما تتغير موازين القوة، ثم يُرفض عندما تتبدل الظروف.
ولعل السؤال الأكبر الذي يظل معلقاً في فضاء المشهد السوداني هو:
هل انقلبت الصورة فعلاً… أم أن عدسة كاميرا الأحداث هي التي إنقشعت عنها غشاوة الأمس، فأظهرت للجميع ما كان مخفياً وراء دخان الحرب؟
والله من وراء القصد .



