الأعمدة

الاتحاديون جميعهم في مأزق عظيم!

هشام هباني
ليست الفضيحة أن تعتدي دولة أجنبية على سودانيين بسطاء يفتشون في صخر الفقر عن لقمة عيش، وليست الفجيعة وحدها في دماء المعدنين السودانيين التي صارت خبراً بارداً في نشرات السياسة، بل الفضيحة الأكبر أن تصمت أحزاب سودانية كاملة، بتاريخها وعمائمها ولافتاتها ومواكبها، كأن الأمر لا يعنيها، وكأن الضحايا ليسوا سودانيين، وكأن التراب الذي سالت عليه الدماء ليس تراب وطن اسمه السودان!!
لقد تواترت في الأيام الأخيرة تقارير مؤكدة حول قصف الطيران المصري لمعدنين سودانيين داخل تراب بلادهم وماتوا بالعشرات واعقب ذلك حملات اعتقالات واشتباكات طالت كثيرا من هؤلاء المعدنين داخل الحدود السودانية ؛ وقد اكدت ذلك وكالة أسوشيتد برس ، بينما تحدثت تقارير سودانية عن سودانيين جرى توقيفهم أو طردهم، وقال المجرم البرهان حليف مصر إن الأمر سيُحقق فيه!!
وفي مثل هذه اللحظة لا يُطلب من الاحزاب الاتحادية ..ربيبة مصر الاولى قبل ان يتولى الامر اليوم بكامل( الهنجكة) الاوغاد الكيزان لم يطلب منها أن ترفع السلاح، ولا أن تشتم شعباً شقيقاً، ولا أن تفتح حرباً عبثية؛ بل مطلوب منها كحد أدنى من الشرف السياسي أن تصدر بيانا واضحا، فيه إدانة واضحة لمصر، ومطالبة بتحقيق مستقل، حماية للمواطن السوداني، وتذكير بأن كرامة السوداني لا تُباع في سوق المجاملات الإقليمية ولا تُدفن تحت عمامة الولاء العتيق.
لكن أين تلك الأحزاب الاتحادية بكل أفرعها؟ أين الذين يملأون المنابر بحديث “وادي النيل” فإذا سال الدم السوداني على حدود وادي النيل بلعوا ألسنتهم؟ أين الذين يرفعون شعار العلاقة الخاصة مع مصر، فإذا تحولت هذه العلاقة إلى علاقة سيد وتابع، ومركز وهامش، وقاهرة تأمر وخرطوم تنحني، اكتفوا بترتيب العمائم وتبخير الصمت؟
إن الصمت هنا ليس حياداً. الصمت هنا موقف. الصمت هنا توقيع ضمني على الإهانة. الصمت هنا بطاقة ولاء مكتوبة بحبر الخجل كي لا نغضب القاهرة، وليذهب المواطن السوداني إلى الجحيم”.
والأحزاب الاتحادية، بكل شظاياها وواجهاتها وأسمائها المتعددة، مطالبة اليوم بأن تجيب على سؤال بسيط: هل أنتم أحزاب سودانية أم ملحقات وجدانية وسياسية لغير السودان؟ هل حلايب عندكم أرض سودانية محتلة أم مجرد ورقة مزعجة تُخبأ في درج المجاملة؟ هل دم المعدّن السوداني دم مواطن أم دم زائد لا يستحق بياناً؟
حلايب ليست تفصيلاً جغرافياً. حلايب امتحان ضمير ومثلث يدار بحكم الأمر الواقع من مصر، بينما ظل السودان يطالب بها في مراحل مختلفة؛ وهذا وحده يكفي كي يكون موقف أي حزب سوداني واضحاً: لا تنازل عن الأرض، ولا تفريط في السيادة، ولا صمت على إذلال المواطنين وخيانة دمائهم.!!
لكن الاتحاديين الذين ورثوا اسماً كبيراً من تاريخ الحركة الوطنية السودانية، فرّطوا في جوهر ذلك الاسم. صار “الاتحاد” عند بعضهم ليس اتحاداً حراً بين شعبين كريمين، بل ذوباناً ذليلاً في إرادة الدولة الأقوى!! صار حب مصر عندهم ليس حباً شعبياً نبيلاً لشعب جار، بل خضوعاً سياسياً لنظام لا يعترف إلا بمصلحته. وفرق كبير بين محبة الشعب المصري الشقيق وبين التبعية للسلطة المصرية. الأول خلق ووفاء، والثاني سقوط وطني!!
وقبل جريمة المعدنين، أين كان صوتهم حين تآمرت القاهرة على الثورة السودانية؟ أين كانوا حين حوصرت الثورة المدنية، وحين أعيد إنتاج العسكر، وحين تكاثرت الأيدي الخارجية حول رقبة السودان؟ أين كانوا حين وجد الكيزان في الفوضى والحرب منفذاً للعودة من النوافذ بعد أن طردهم الشعب من الباب؟ أين كانوا حين صار السودان ساحة مفتوحة لكل من يريد تصفية حساباته أو سرقة موارده أو هندسة مستقبله على مقاس مصالحه؟
لا يكفي أن تقولوا إنكم ضد الحرب. لا يكفي أن تقولوا إنكم مع السلام. السلام بلا سيادة استسلام. والعلاقة مع مصر بلا كرامة وصاية. وحب وادي النيل بلا احترام متبادل ليس أخوة، بل غطاء زائف لعلاقة مختلة.
إن الأحزاب الاتحادية مطالبة اليوم أن تخرج من هذا القبر السياسي الذي دفنت نفسها فيه. عليها أن تقول بوضوح: حلايب سودانية حتى يفصل فيها القانون أو التحكيم الدولي. عليها أن تطالب بتحقيق شفاف في كل ما جرى للمعدنين السودانيين. عليها أن ترفض أي تدخل مصري أو غير مصري في القرار السوداني. عليها أن تعتذر للشعب السوداني عن سنوات الصمت والتردد والمجاملة. عليها أن تثبت أنها أحزاب وطنية لا مجرد زوايا سياسية معلقة على جدار القاهرة!!
أما إذا اختارت الصمت، فإن الشعب سيقرأ صمتها كما ينبغي: صمت الخائف، صمت التابع، صمت من يرى الوطن بعين واحدة، فإذا كان المعتدي بعيداً صاح، وإذا كان المعتدي قريباً من مزاجه السياسي انحنى.
يا أحزاب الاتحاديين: السودان لا يحتاج إلى عمائم بلا موقف، ولا إلى تاريخ بلا حاضر، ولا إلى أناشيد وطنية تُغنى في المناسبات بينما الأرض تنقص والكرامة تُهان. السودان يحتاج إلى رجال ونساء يقولون للحليف قبل الخصم: قف عند حدك. يحتاج إلى سياسة لا تركع. يحتاج إلى وطنية لا تنتظر إذناً من سفارة ولا مباركة من عاصمة.
فإن لم تستطيعوا الدفاع عن المعدّن الفقير، وعن حلايب، وعن سيادة السودان، وعن الثورة التي سالت دماء شبابها في الشوارع، فعلى الأقل اصمتوا عن ادعاء الوطنية. لأن الوطنية ليست بردة بيضاء ولا عمامة ولا نسباً سياسياً قديماً. فالوطنية موقف ناصع لايحتمل التأويل والتأجيل!
.

زر الذهاب إلى الأعلى