الأعمدة

” من “مُدمر الأحلام” إلى “صانع الحكام”: كيف يُصبح المُتهم بالفساد معلماً للنزاهة؟”

بقلم : معاوية أبوالريش
في خطوة أثارت موجة عارمة من السخرية والاستهجان عبر القارة السمراء، كشف مصدر خاص داخل أروقة الاتحاد الإفريقي لكرة القدم كاف، عن عزم قادة الكاف تعيين الحكم الدولي الجامبي السابق بكاري جاساما مديرًا لتطوير الحكام بالاتحاد. فبعد مسيرة تحكيمية امتدت لأكثر من عقد ونصف، حافلة بالفضائح والأخطاء والقرارات المثيرة للجدل، يجد الرجل الذي اعتاد تدمير أحلام المنتخبات والأندية نفسه في موقع جديد كلياً من مُدير للكوارث التحكيمية إلى مُشرف على تشكيل عقول الجيل القادم من الحكام الأفارقة .
و لعل أبرز فضائح جاساما كانت خلال توليه إدارة مباراة الاياب بين منتخبي الجزائر والكاميرون في تصفيات كأس العالم 2022، التي شهدت أخطاء تحكيمية فادحة من قبل جاساما، والتي حُرمت بسببها الجزائر من حلم المونديال. حيث شن مدرب محاربو الصحراء (وقتها ) جمال بلماضي هجوما لاذعا على جاساما عقب المباراة ، بسبب عدم رجوعه لتقنية الفيديو بعد هدف الكاميرون الأول، و اعلانه لصافرة النهاية قبل اكتمال الوقت الإضافي الذي اعلن عنه مما حرم الخضر من محاولة تعديل النتيجة ووصل الأمر إلى درجة أن طالب الاتحاد الجزائري لكرة القدم وقتها بإعادة المباراة، ووصف بيان الاتحادية الجزائرية عقب انتهاء ذلك اللقاء إدارة الحكم بكاري غاساما بـ”الفاضح”، معتبراً أنه “شوّه المباراة”. بل إن التقارير الصحفية الفرنسية كشفت أن الحكم الجامبي بكاري جاساما نجا من القتل في مطار هواري بومدين بالعاصمة الجزائرية، قبل سفره إلى مدينة أنقره التركية، في مشهد لخّص حجم الغضب الجماهيري من أدائه في تلك المباراة المفصلية.
ولم تكن الجزائر وحدها ضحية قرارات جاساما المُريبة، فقد كان الرجل مثار جدل وحديث في مباريات كثيرة أدارها عبر مسيرته التحكيمية، سواء في المسابقات القارية أو المباريات الدولية، حيث أثارت قراراته انتقادات واسعة من الأندية والمنتخبات على حد سواء.
وقد أثار هذا التعيين الغريب موجة سخط واسعة في الشارع الرياضي الجزائري، حيث ظل اسم غاساما يثير حساسية مفرطة في الأوساط الرياضية الجزائرية رغم مرور أكثر من ثلاثة أعوام على مباراة الكاميرون.
ويُطرح السؤال المنطقي: كيف يمكن لشخص كان محل اتهامات مُستمرة بالتحيز وعدم النزاهة أن يُصبح مسؤولاً عن تطوير منظومة التحكيم وتعليم النزاهة للجيل القادم؟
إن التحكيم الأفريقي عانى أصلاً من أزمة ثقة عميقة، وتعيين شخصية مثيرة للجدل مثل جاساما في منصب حساس كتطوير الحكام قد يُعمّق هذه الأزمة بشكل كارثي. فكيف يمكن للحكام الشباب الذين سيتدربون تحت إشرافه أن يتعلموا النزاهة والعدالة من شخص ارتبط اسمه بالجدل والشكوك؟ وكيف يمكن لهذا التعيين أن يُساهم في استعادة الثقة المفقودة في التحكيم الأفريقي؟ بل إن الأمر قد يؤدي إلى نتائج عكسية تماماً، حيث سيتأثر الجيل القادم من الحكام بفهمه للتحكيم وأسلوبه في إدارة المباريات، مما قد ينتج جيلاً جديداً من الحكام يحملون نفس المشاكل والعيوب.
كما أن هذا التعيين قد يُعمق الانقسامات بين الدول الأفريقية، خاصة بين تلك التي عانت من قراراته الجدلية مثل الجزائر ومصر وتونس، وتلك التي استفادت منها، مما قد يؤثر على التماسك داخل الاتحاد الأفريقي ويخلق مزيداً من الصراعات الخفية.
ورغم أن جاساما يُعد من أبرز الحكام في إفريقيا، وسبق له إدارة مباريات في ثلاث نسخ متتالية من كأس العالم (2014، 2018، 2022)، إلا أن الخبرة وحدها لا تكفي لشغل منصب بهذه الحساسية. فالمطلوب في هذا المنصب ليس فقط الخبرة التقنية، بل أيضاً السمعة الطيبة والثقة المُطلقة من جميع الأطراف. والتاريخ الجدلي لجاساما يجعل من الصعب تحقيق هذه الثقة المطلوبة.
من المنتظر أن يتولى جاساما مسؤولية الإشراف على تطوير برامج تدريب الحكام، وتحديث معايير التقييم، والمساهمة في اكتشاف وصقل المواهب التحكيمية في مختلف الاتحادات الوطنية الأعضاء. لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه بقوة: كيف يمكن لمن كان يُدمر أحلام المنتخبات والأندية بقرارات مثيرة للجدل أن يُصبح صانعاً لجيل جديد من الحكام النزهاء؟ وكيف يمكن لمن اتُهم بالتحيز والفساد أن يُعلم النزاهة والعدالة؟
إن هذا التعيين يُشكل سابقة خطيرة في تاريخ الكرة الأفريقية، حيث يبدو أن المحسوبية والولاءات أصبحت أهم من الكفاءة والنزاهة في اختيار القيادات المؤثرة. وبدلاً من أن يسعى الاتحاد الأفريقي لاستعادة الثقة المفقودة في التحكيم من خلال تعيين شخصيات نظيفة ومحترمة، نجده يُكافئ الجدل ويُرقي المثيرين للشكوك إلى مناصب قيادية حساسة.
في النهاية، التحكيم الأفريقي بحاجة ماسة إلى قادة يتمتعون بالمصداقية والنزاهة المُطلقة، قادرين على استعادة الثقة المفقودة وبناء جيل جديد من الحكام المحترفين والنزهاء. أما تعيين شخصيات تحمل أمتعة ثقيلة من الجدل والشكوك والاتهامات، فإنه لا يُقدم سوى المزيد من الأدلة على أن فساد التحكيم الأفريقي ليس مجرد مشكلة تقنية، بل منظومة متكاملة من المحسوبية والولاءات التي تضع المصالح الشخصية فوق مصلحة الكرة الأفريقية ونزاهتها.

زر الذهاب إلى الأعلى