
✍️ محمد الفاتح حضرة
👿حمية الجاهلية حين تتغلب على فريضة الإصلاح بين المؤمنين
بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب التي مزقت السودان، وأزهقت أرواح عشرات الآلاف، وشردت الملايين، ودفعت البلاد إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخها، بدأت تلوح في الأفق مؤشرات سياسية وعسكرية توحي بإمكانية التوصل إلى هدنة إنسانية ووقف لإطلاق النار، استجابةً لجهود إقليمية ودولية تسعى إلى إطفاء هذه الفتنة وفتح الطريق أمام سلام يحفظ ما تبقى من الوطن.
لكن اللافت للنظر أن هذه التطورات لم تُقابل بالترحيب من الجميع، بل أطلقت موجة من الرفض والتحريض والتخوين، قادتها أصوات ظلت تدافع عن استمرار الحرب، وكان من بين أكثرها حماساً بعض المنتسبين إلى ما يسمى بالتيار الإسلامي العريض.
🫵وهنا يفرض سؤال نفسه بإلحاح:
كيف يغضب بعض من يرفعون راية الإسلام من هدنة هدفها حقن دماء المسلمين؟
ولماذا يصبح الإصلاح بين المؤمنين موضع ريبة، بينما يصبح استمرار الحرب موضع حماس؟
هذا السؤال أعاد إلى ذهني قول الله تعالى:
﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾
[الفتح: 26].
فالقرآن هنا لا يروي حادثة تاريخية فحسب، وإنما يكشف سنة من سنن الاجتماع البشري تتكرر كلما غلبت العصبية على العقل، والانتماء على الحق، والشعارات على مقاصد الدين.
فالحمية التي ذمها القرآن ليست مجرد غضب، وإنما حالة يفقد فيها الإنسان القدرة على الإنصاف، لأنه لم يعد يرى الحق بعين العدل، وإنما بعين الحزب أو الجماعة أو القبيلة أو القائد. يصبح الحق هو ما تقوله جماعته، ولو خالف القرآن، ويصبح الباطل هو ما يقوله خصومها، ولو وافق أمر الله.
ولذلك لم يواجه الله حمية الجاهلية بحمية مثلها، وإنما أنزل السكينة.
فالسكينة هي نقيض الحمية.
الحمية تدفع إلى التصعيد…
والسكينة تدعو إلى الحكمة.
الحمية تجعل التراجع عن الخطأ هزيمة…
والسكينة تجعل الرجوع إلى الحق فضيلة.
ولهذا لما تنازع بعض الصحابة بدعوى العصبية، قال النبي ﷺ: «دعوها فإنها منتنة».
فالعصبية لا تنتن بها السياسة وحدها، بل ينتن بها الدين والأخلاق والعقول.
حمية الجاهلية… لم تمت
يخطئ من يظن أن الجاهلية انتهت بانتهاء عصر القبائل.
فالجاهلية ليست زمناً، وإنما طريقة في التفكير.
لقد تبدلت الأسماء، وبقي المرض.
فقد تحولت العصبية للقبيلة إلى عصبية للحزب…
وللعشيرة إلى التنظيم…
وللزعيم إلى القائد…
وللراية القبلية إلى الراية الأيديولوجية.
وأصبح كثير من الناس لا يسأل: أين الحق؟ بل يسأل: أين تقف جماعتي؟
وهنا تبدأ الكوارث.
وليس أدل على ذلك من التاريخ.
فحرب البسوس استمرت أربعين عاماً بسبب ناقة، لأن الحمية منعت العقل من إطفاء النار.
وداحس والغبراء بدأت بسباق خيل، ثم تحولت إلى حرب أهلكت القبائل.
وكثير من الفتن التي مزقت المسلمين عبر التاريخ لم تستمر لأن الحق كان غامضاً، وإنما لأن العصبية كانت أقوى من صوت القرآن.
ولهذا جاء الإسلام ليحرر الإنسان من عبودية الجماعة إلى عبودية الله وحده، ويجعل الولاء للحق لا للأشخاص.
🤔الإسلام… أسماء أم قيم؟
ومن أعجب صور الخلل أن يظن بعض المسلمين أن مجرد الانتساب إلى جماعة تحمل اسماً إسلامياً يجعله ناطقاً باسم الإسلام.
فيظن أن اسم الحركة الإسلامية، أو التيار الإسلامي العريض، أو غيرهما، يكفي ليمنح مواقفه حصانة من النقد.
لكن القرآن لم يجعل العبرة بالأسماء.
ولم يجعل الميزان في الشعارات.
بل جعل الميزان في العدل، والرحمة، والإصلاح، والتقوى.
فكم من شعار إسلامي رُفع، ثم خالف أصحابه مقاصد الإسلام.
وكم من لافتة دينية أصبحت غطاءً لحمية حزبية لا تختلف في حقيقتها عن حمية القبائل في الجاهلية.
لقد جعل بعض الناس الإسلام اسماً…
وجعلوا الجماعة ديناً…
وجعلوا التنظيم مقدماً على الوطن…
ثم أصبح الدفاع عن الجماعة مقدماً على حقن دماء المسلمين.
🇸🇩السودان… حين تكشف الوقائع ما كان مستوراً
ومن يتأمل تطورات الأيام الأخيرة يلاحظ أن مجرد الحديث عن هدنة إنسانية ووقف لإطلاق النار أثار غضباً شديداً لدى بعض الأصوات التي ظلت تحرض على استمرار الحرب.
🫵وهنا يبرز سؤال لا ينبغي الهروب منه:
إذا كانت قيادة الجيش قد أبدت استعداداً للنظر في مسار الهدنة، فمن الذي يسابق الزمن لإفشال هذا المسار؟
ومن الذي يهاجم كل حديث عن وقف القتال؟
ومن الذي يصور السلام وكأنه هزيمة؟
إن هذه الوقائع قد تدفع الكثيرين منَّا إلى إعادة النظر في فرضية ظلت تتردد طوال سنوات الحرب، وهي أن الجيش هو الذي يريد إستمرار الحرب ‼️
فالذي نراه اليوم يوحي بأن هناك قوى سياسية وأيديولوجية وإعلامية تمارس ضغوطاً كبيرة حتى لا يغادر الجيش ساحة الحرب، لأن استمرارها يخدم حساباتها أكثر مما يخدم مصلحة السودان.
وهذا استنتاج يبقى مرتبطاً بما ستكشفه الوقائع في الأيام المقبلة، لكنه سؤال مشروع تفرضه التطورات الجارية.
🤔ماذا يقول القرآن؟
إن القرآن لم يجعل إستمرار القتال بين المؤمنين غاية..
🫵بل جعل الغاية الأولى هي الإصلاح.
قال الله تعالى:
﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾.
وقال سبحانه:
﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾.
وقال رسول الله ﷺ:
«ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟… إصلاح ذات البين.»
فإذا كان الله يأمر بالإصلاح، ورسوله يجعل إصلاح ذات البين من أفضل الأعمال، فكيف أصبح الداعي إلى وقف الحرب موضع تخوين، بينما يُحتفى بمن يدعو إلى إستمرارها؟
كلمة أخيرة
لقد كشفت هذه الحرب حقائق كثيرة، ولعل من أخطرها أن حمية الجاهلية لا تزال قادرة على إرتداء أثواب جديدة، حتى ثوب الخطاب الديني.
ولذلك فإن العبرة ليست بالأسماء، ولا باللافتات، ولا بإدعاء إحتكار الإسلام.
فقد ينتسب الإنسان إلى تنظيم يرفع شعار الإسلام، ولكنه يقف فعلياً في وجه كل فرصة لحقن دماء المسلمين.
ويبقى الميزان الذي لا يتغير هو ميزان القرآن:
الحق قبل الحزب…
والوطن قبل التنظيم…
ودماء المسلمين قبل كل مشروع سياسي.
أما السودان اليوم، فلا يحتاج إلى مزيد من أصوات الحرب، وإنما يحتاج إلى رجال ونساء يملكون شجاعة السكينة، لا حمية الجاهلية؛ ويستجيبون لأمر الله:
﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾.
🤲اللهم احقن دماء أهل السودان، وأطفئ هذه الفتنة، وألهم الجميع رشدهم، واجعل مصلحة الوطن فوق كل عصبية، والحق فوق كل إنتماء..



