الأعمدة

تجليات الحداثة في الأشعار الغنائية للشاعر/محمد البشير عتيق

بقلم: إسماعيل السيد أحمد
الجزء الثاني
استكمالاً لِما تناولناه في الجزء الأول من هذا المقال، يمكننا القول بأن توظيف الشاعر / محمد البشير عتيق للمفردات والمصطلحات الحديثة في نصوصه الشعرية تُعّد مظهراً من مظاهر تجديد المعجم الشعري للغناء السوداني -بصورة عامة- وشعر الحقيبة بصورة خاصة، وذلك بفضل انفتاحه على التحولات السياسية، والثقافية، والاجتماعية، والرياضية.
في قصيدة «رونق الصبح البديع»، التي صاغ لحنها الشاعر والملحن والفنان عبد الرحمن الريح، وأداها الفنان كرومة، يوظف الشاعر محمد بشير عتيق مفردة «مُنَاظَرَة» توظيفاً مجازياً بارعاً في الروعة والجمال؛ إذ يُسبغ على النسيم صفة الإنسان، فيجعله قادراً على محاورة محبوبته ومنازلتها في ميداني الرِقّة والجمال. ومن خلال هذا التشخيص البديع للنسيم، يقيم الشاعر مُنَاظَرَة فنية بينه وبين محبوبته، بقوله:
هي والنسيم في مُنَاظَرَة** تظهر حقائق وجوهرا
هي نزهة لي كلُّ من يرى
ويرى الشاعر أن الغاية من هذه المناظرة ليست المفاضلة من أجل المفاضلة، وإنما المفاضلة من أجل الكشف عن جوهر الجمال وإبراز حقيقته؛ فكأن المناظرة بين النسيم والمحبوبة تُجلي ما يتسم به كل منهما من صفاء ورقة ولطف، بيد أن محصلة المناظرة تؤول في نهاية المطاف إلى ترجيح كفة المحبوبة، إذ إنها تتفوق على النسيم لطفاً ورقةً وصفاءً.
وفي سبيل اثبات تفوقها على النسيم يمضي الشاعر أبعد من ذلك، حينما يرى أن مشاهدة المحبوبة في – حد ذاتها- نزهةً للنفس (هي نزهة لي كل من يرى)، إذ إن رؤيتها تبعث في النفس البهجة والسكينة والانشراح، وهو -دون أدنى شك- تأكيداً لتميّز ها على النسيم.
وظّف الشاعر خبرته العملية باستدعاء العديد من المصطلحات الفنية في قصائده الغنائية، منها على سبيل المثال: في قصيدته “الاوصفوك” التي لحنها وشدا بها الفنان/ خضر بشير، واستعار من عالمي التقنية والطاقة مصطلح <>، وهو مصطلح -كما هو معلوم- يستخدم لنقل البيانات والمعلومات عبر الأمواج الكهرومغناطيسية (كموجات الراديو) في الهواء، دون الحاجة إلى أي أسلاك أو كابلات توصيل، بقوله:
حسنك غريب وشخصك بعيد** لو كان قريب
انوارو آخذة بدون سلوك
يصف الشاعر جمال محبوبته بأنه نور متوهّج وإشراقٌ آسر، تتجاوز أنواره حدود المسافة والحواجز، فتصل إلى قلب الناظر إليها وروحه دون حاجة إلى أسلاك أو وسائط توصيل؛ في صورة مجازية بديعة تؤكد أن سحر الجمال لا يخضع لقوانين القرب المادي أو الاتصال المحسوس، بل هو ضياء معنوي متدفق بذاته، ينفذ إلى النفوس دون وسائط مادية، ويترك فيها من البهجة والدهشة والإعجاب ما يشرح الصدور.
لا يقتصر توظيف الشاعر للمصطلحات على مستوى المفردات فحسب، بل يمتد ليعكس تحولاً في الرؤية الشعرية نحو الواقع، وتأكيداً لما ذهبنا إليه استخدام الشاعر لمفردة <> المُشتقّة من كلمة استفتى، وهي مفردة ذات طابع سياسي تتداخل بصورة أدبية رفيعة مع مفردات قصيدة “ارجوك يا نسيم روح ليه” التي لحنها وأداها الفنان/ كرومة، مما يعكس إعادة تشكيل العلاقة بين الشعر والسياسية والحداثة معاً، ويسهم -دون شك- في إدخال مفردات الخطاب المعرفي الحديث داخل ثنايا البنية الشعرية.
باللفظ الجميل آتيهو** بيّن حالي واستفتيهو
لو يصحى ويفيق من تيهو
استحضار الشاعر لكلمتي <> و<> غير المألوفتين في الاشعار الغنائية السودانية في قصيدته “أيام صفانا” التي تغنى بها الفنان/ كرومة يحمل إيحاءات ودلالات النقاء والصفاء، لأن لون الاقحوان الأبيض يرمز إلى الطهر والإشراق، أما الارجوان بلونه الأحمر المعهود فقد عُرف قديماً بالفخامة والترف.
الرياض مبتهجة ضاحك اقحوانا
والزهور مبتهجة تستقبل اوانا
رائعة يانعة وزاهية في توب ارجوانا
وباستدعاء الشاعر للمفردتين يكون قد برع في رسم لوحة فنية قائمة على التضاد اللوني الجميل، حينما زاوج فيه بين بياض الأقحوان الناصع ووهج الأرجوان القاني.
وفي أسلوب بلاغي رائع وظّف الشاعر عبارة الشعار البصري (اللوقو -Logo) في قصيدة “الأمان الأمان” التي أداها الفنان/ رمضان حسن بإيراده لكلمة <> بصورة تُوحِي للمستمع بأن حبه أصبح عنواناً لهويته العاطفية، وعلامة تميزه حصرياً أمام العاشقين عن حبهم، فلا يقتصر الحب على شعوره الداخلي به، بل يتحول إلى مبدأ يتسامى بسلوكه، وباستعمال لمفردة “التقديس” تصبح لحبه قيم أساسية تعد جزءً من هوية الحب البصرية لديه.
من يوم نشأتي** تقديسك شعاري** وحبك نشوتي
وبما أن الأفكار تمثّل النافذة التي يطل بها الانسان على الحياة؛ فالشاعر يطل بفكره المقسّم -كما وصفه- في قصيدته “اذكريني يا حمامة” التي تغنى بها الفنان/ عبد الحميد يوسف1940 على عوالم المحبوبة، واصفاً فكره القويم النهج، الدقيق التفاصيل بخصر محبوبته الممشوق القوام، المُنَسَّق التقاسيم، مما يوحي للناظر بأن أفكاره بتلك الصفات، تضارع خصر محبوبته بذاك الجمال، وكأن فكره قد تشّكل بعناية كما صيغ جمال الخصر بإتقان.
فكري زي خصرك مقسم** وخطبي زي ردفك مجسم
استدعاء الشاعر لمفردة <> كأنه أراد بها اثبات العلاقة التكاملية بين الفكر والأدب، ومن ثم إقرار جدلية القول بإن الفكر يمنح الأدب عمقه، بينما يمنح الأدب الفكر جماله وخلوده، وذلك من خلال صياغة الادب للفكر بصورة جمالية جذابة.
تتماهي عناصر الطبيعة مع أجواء الشاعر الرومانسية، معبرةً عن سعادتها بلقاء الشاعر بمحبوبته، وفي خضم تلك الأجواء المفعمة بالحب تشارك الطيور الشاعر تلك الأجواء ساجعة طرباً ومغردة نَّشْوةً، مستشعرة أُلفة اللقاء وجمال تلك اللحظات.
النهر لينا اقترب** والطيور تسجع طرب
عاملة مزيقة قرب
استحضار الشاعر لعبارة <> في البيت السابق، والتي ارتبطت بالاستعراضات العسكرية المهيبة التي تُقام في المناسبات الوطنية، ودورها الكبير في رفع الروح المعنوية لقوة دفاع السودان خلال الحرب العالمية (الأولى والثانية)، تمنح العبارة <> المشهد جمالا وألقاً ساحراً، وبذلك ترتقي مشاركة الطيور من مجرد تغريد عابر إلى نغم كوني، يشارك الشاعر بهجة اللقاء ونشوة الوصال.
استحضر الشاعر في قصيدته “شاغل حبي فكرك” التي تغنى بها الفنان/ عبد الحميد يوسف مفردة <> لتجسيد تجربة الحب التي عاش احداثها، فشبَّه عشقه بمسرح تُعرض عليه أحداث الهوى وحبكاته الدرامية، وطلب من المحبوبة -كبطلة للمسرحية- أن تؤدي فيه فصول العشق كما ينبغي لها.
أصله هواي مسرح** مثَّلَ فيه فصلك
وبالاستحضار الشاعر لمفردة <> يكون قد صور الحب بأنه ليس مجرد احداث عابرة، بل هو مجموعة سيناريو ذات فصول ومشاهد وأحداث متعددة ومتوالية، ولكل مشهد أو فصل أثره العميق في نفس العاشق. وبذلك يتم الانتقال من الواقع إلى عالم المسرح، وخلق واقع مواز ينقل المشاعر، الأفكار، بطريقة إبداعية تصل إلى وجدان المتلقي، وحينها تتحول التجربة العاطفية إلى مشهد حي ينبض بالحركة والتشويق.

زر الذهاب إلى الأعلى