في غمرة حيرة شيخ الطيور في احدى غابات الامازون الماطرة ومحاولة تدبره لكيفية إدارة غابته التي تترنح أشجارها وتتساقط اوراقها وسط الرياح العاتية المهددة لاستقرار أعشاش طيورها و هي تتعرض أيضا لتعديات المحتطبين وما تحدثه بعض القرود من عبث بتلك الاعشاش .
فأشار عليه الهدهد الذي كان قريبا منه بان يجمع حوله مجموعة تتنوع من كل الطيور خاصة تلك التي ظلت تحوم حول عشه تزلفا عسى أن تعينه على تدارك الأمور قبل أن تفلت من بين يديه فيفقد سيطرته على الغابة خاصة وأن طيور الغابات المجاورة تتطلع لاحتلال أطرافا من غابته التي كانت معروفة بكل انواع الثمار الطيبة .
راقت فكرة الهدهد لشيخ الطيور فأستدعى الديك وأمره بأن يصعد إلى أعلى شجرة وينادي على كل الطيور في الأشجار القريبة للحضور فورا إلى شجرة الشيخ لاجتماع هام .
ورغم ان الجو كان رطبا خانقا حضر من كل نوع من الطيور سرب مصغر يمثل فصيله وطفقوا ينفضون ريشات الأجنحة من بلل المطر المتساقط يدفعهم الفضول و الترقب والقلق من هذه الدعوة المفاجئة من شيخهم الكبير .
فتحلقوا حوله وقد طلب من الهدهد أن يجلس على يمينه بينما أمر الغراب أن يكون محلسه على يساره .
خطب الهدهد في جماعة الطيور خطبة مؤثرة شرح فيها حالة الهموم التي يعيشها الشيخ نتيجة أوضاع الغابة ثم طلب من الديك أن يكون منظما للجلسة وناطقا مخولا بإيصال مخرجاتها لاحقا لمن لم يحضر من الطيور و من ثم يعلن عليهم ما يتخذه الاجتماع من القرارات المصيرية الهامة .
ثم تحدث الشيخ قائلا أنه أراد من اجتماعهم هذا بأن يكونوا هم بمثابة مجلس شوراه في مقبل الأيام العصيبة التي تقف فيها الغابة على حافة المخاطر.
وهنا حدث هرج ومرج وكل فصيل من الطيور يحاول رفع صوته يريد الاستئثار بأكبر حصة من المجلس المقترح .
ولم تهدأ الأمور إلا بعد أن تدخل الهدهد وأمرهم بالهدوء حينما شعر بضيق الشيخ من هذا التهافت المتعجل قبل أن يحسم أمر المجلس حتى من الناحية المبدئية.. وهو عن نفسه لا يرى اساسا جدوى من تشكيله مجلس في مثل هذا المناخ من التناحر الذي لايبشر باي خير نظرا لهذه البداية السيئة .
فالتفت عليه الشيخ وقال له معنى كلامك هذا ياحكيمنا رايك أن نؤجل مسألة تكوين ذلك المجلس؟
هز الهدهد رأسه بالايجاب ثم أضاف ..يا سيدي إنشاء مجلس بمثل هذه الكيفية المزعجة و بهذا العدد الكبير الذي لم أتوقع حضوره عندما أشرتم بجمعه .. فإنني والرأي لكم ولكنن أرى انه سيكلفك كثيرا فالطيور عادة لا تتغذى على نوع موحد من الاكل ..بعضها يستطعم الغلال وبعضها يتغذى على الحشرات وأخرى تحب الأسماك وغيرها تنخر الثمار وهكذا ستنفق كل وقت حاشيتك ومجهودات أجنحتها المجهدة في البحث وجمع كل هذا التنوع من الغذاءات خاصة وإن من تكلفهم لن يسعون لالتقاط ما يسد رمقهم بأنفسهم بدعوى أنهم سيكونوا منشغلين بالقرب منك و يأخذونها ذريعة للتبطل في شجرتك الظليلة هذه .
ابتسم الشيخ لفكرة الهدهد الألمعية وطلب منه أن يقترح ما يراه مناسبا .
قال الرأي السديد أن تختار يا شيخنا اثنين من اجمل الطيور شكلا وتقربهما اليك فهذا سيضفي على شجرتك بعدا مظهريا يلفت اليك أنظار القاصي والداني ويعطي انطباعا بانك ضد القبح ومحب و مفتون بتنوع الوان الريش الزاهية.
همهم الجميع وكأنهم يستنكرون الفكرة ولكن الديك صاح فيهم بالهدوء وقال في حدة وانتهار ..هنا فقط الكلمة الأخيرة ستكون للشيخ ..فصمت الجميع .. فاشرأب الغراب برأسه مستأذنا ونعق مزكيا اقتراح الهدهد..وقال للشيخ حيث انك تبحث عن الجمال ياكبيرنا وبعد اذن الهدهد المحترم ايضا. .فما رأيكم في أن ارشح لكم الببغاء الأصفر والطاؤوس القرمزي كمرافقين وممثلين لكم .
هنا قفز الوطواط إلى أقرب غصن وبعد أن تأكد من عدم وجود الببغاء والطاؤوس في الجلسة نزل واقترب مائلا نحو الشيخ وهمس متلعثما وخائفا في أذن شيخه بأن كلا المرشحين يا سيدي كانا يسبانكم تارة و يمدحانكم تارة أخرى وعرفا بكثرة تنقلهما بين مختلف الأشجار. وشعارهما عند كل مقام مقال ..شده الشيخ من طرف جناحه وقال له كيف عرفت ذلك ايها الاعمى الخسيس..ارتعش الوطواط من شدة الالم ثم اقترب منكسرا وقال للشيخ انت تعلم يا سيدي أنني أملك جهاز استشعار حساس يمكنني من التلصص حتى في الظلام الدامس ..أليس كذلك .
دفعه الشيخ مرة أخرى جانبا ثم
نقل ملاحظته تلك للهدهد الذي ابتسم بخبث وقال للشيخ ..بل هذان هما الطائران الأنسب للمرحلة القادمة يا شيخنا ..ومن الأصلح أن تقربهما حتى تقيد حركتهما تفاديا لذمك في الأشجار القريبة والبعيدة فالببغاء سليط اللسان ورغم أنه مراوغ لكنه يخاف الذبح ولا يختشي من انتهازيته وحينما تقربه منك سيبدل ريشه حتما ولو مجازا ومتى ما تذوق نعيم عطائك ستضمن بالتالي أن يبتلع لسانه وسيتفرغ لمدحك كما تشاء في كل ما تقول أو تفعل ..فابتسم الشيخ وهو يقول.. يعني كما يقال في عند البشر
(كسار ثلج منافق )
فضجت الطيور بالضحك مؤمنة على طرفة الشيخ ..الذي أشار على الجميع بالصمت وطلب من الهدهد أن يحدثه عن رأيه في الطاووس..فاعتدل الهدهد في جلسته وقال .. الطاووس ياسيدي أمره سهل فيمكنك الاستفاده من نرجسيته و غروره بالوان ذيله الذي سيتباهى باستعراضه في جولاته بين الأشجار المجاورة لان إمكانات أجنحته لا تمكنه من الطيران بعيدا لذا فهو يمكن تكليفه بجلب الدعم و التأييد لكم في محيط غابات الجوار خاصة وهو يتوهم كثيرا بأنه صاحب الرصة والمنصة والفاهم لكل قصة و يدعي بأن تحت أجنحته الزاهية أسرارا مخبوءة ..عليك أن تستنطقه حولها .
وقف الغراب و طلب من الجميع أن يصفقوا لحكمة الهدهد و وبرفعوا مناقيرهم تأييدا للمقترحات المطروحة ويغردوا بحياة كبيرهم .. فاستحسن الشيخ ما قاله الغراب الذكي . . ومن ثم نظر ناحية الهدهد الذي أشار على الديك بإعلان انتهاء الجلسة وفضها .. وان يخرج بعد ذلك للصعود على ذات المكان العالي ليعلن هذه القرارات التاريخية ويطلب من سكان الشجر كلهم مباركة الأمر ويؤذن فيهم بأن حيا على الهتاف بحياة الشيخ المهيب كل بلغته قبل أن يفيق من حلمه القديم في ديمومة الشياخة.



