الأعمدة

*بيليه لا يقارن يا أصحاب الألفية الثالثة*

*عثمان عمرو الغتنيني*
أتعجب من بعض المتعصبين في الرياضة، خصوصًا جيل الألفية الثالثة. كلما ظهر نجم جديد وسجل عشرة أهداف في موسم، صرخوا فورًا: هذا أفضل من بيليه. يوهان كرويف وبيكنباور، أساطير لا يختلف عليها اثنان، تمت مقارنتهما ببيليه في عز مجدهما. زيكو البرازيلي سحر العيون فأطلقوا عليه بيليه الأبيض. جاء مارادونا، فانقسمت الأرض نصفين. قال بعضهم: أفضل من بيليه. ومات الرجلان، بيليه ومارادونا، وهم تحت التراب، والمقارنة الساذجة ما زالت حية بيننا. مارادونا عبقري لا غبار عليه، لكن أن يكون أفضل من بيليه؟ مستحيل. مارادونا تاريخه الشخصي ملطخ بالمخدرات بأنواعها، وغاب عن الملاعب سنوات بسبب نزواته. أما بيليه فكان يرد بحسرة على من يعيره: يعيرونني بابني المدمن بالكحول، وأنا تاريخ ابني ليس تاريخي. فرق شاسع بين من صان موهبته حتى الاعتزال، ومن أحرقها بيديه.
ظهر ميسي، فقفز جيل البلايستيشن وقالوا: هذا أفضل من مارادونا وبيليه معًا. ناس مجانين. هذه مقارنة ظالمة وباطلة من الأساس. يا أصحاب الألفية الثالثة، هل تعرفون في أي عصر لعب بيليه؟ كرة قدم من الجلد الثقيل، إذا ابتلت بالمطر صارت مثل قذيفة المدفع. ملاعب طينية وحُفر، لا عشب هجين ولا أرضية مكيفة. أحذية بدائية بمسامير حديدية. لا حكم فيديو ينصفه، ولا قانون يحميه. كان المدافعون جزارين، يكسرون قدمه اليوم ويعود غدًا ليرقص ويسجل هاتريك. كانوا يضربونه ليوقفوه، فينهض أقوى. ثلاثة كؤوس عالم يا سادة. الرقم الذي وقف عنده التاريخ عاجزًا. 1279 هدفًا موثقًا في سجلات جينيس. كان عمره 17 عامًا فقط حين حمل البرازيل على كتفيه في مونديال 1958، وسجل في النهائي وأبكى السويد كلها في أرضها. في عام 1969، توقفت الحرب الأهلية في نيجيريا لمدة 48 ساعة لأن الطرفين اتفقوا على هدنة: نتفرج على بيليه يلعب ثم نكمل القتال. أي لاعب في تاريخكم فعل هذا؟
كيف تقارنون من اخترع كرة القدم الحديثة بمن جاء على كتالوج جاهز ومفروش بالورود؟ بيليه هو السطر الأول في الكتاب، هو المرجع، هو المقياس الذي نقيس عليه. هو التعريف نفسه. كل من جاء بعده، من مارادونا إلى زيدان إلى الظاهرة رونالدو إلى ميسي إلى كريستيانو، كلهم فصول كتبها بيليه بعرقه ودمه. تطلبون مني أن أقارن ميسي ببيليه؟ هذا مثل من يقارن آيفون 15 بمخترع الهاتف الأول. لولا جراهام بيل ما كان ستيف جوبز. لولا بيليه، ما كانت كرة القدم التي تعرفونها اليوم. ميسي لعب في عصر الحماية الكاملة، والملاعب الحرير، والكرة خفيفة مصممة في المختبرات. بيليه لعب في عصر الغابة، وخرج منها ملكًا متوجًا.
المقارنة مع بيليه إهانة لبيليه، وظلم فادح لبقية الأساطير. دعوا الملك في عليائه. لا تسحبوه إلى وحل جدالكم اليومي في تويتر وتيك توك. لا تقارنوه، بل شاهدوا مقاطعه بالأبيض والأسود. تعلموا معنى المهارة، معنى القيادة، معنى أن تكون كرة القدم رجلًا. اصمتوا احترامًا للتاريخ. بيليه لا يقارن يا أصحاب الألفية الثالثة. احفظوها جيدًا. نقطة آخر السطر.

زر الذهاب إلى الأعلى