الأعمدة

(رفضوها مملحة وأكلها الشعب قروض): ما بين اتفاقية الميرغني/قرنق، ونيفاشا دموع ودماء وانفصال

بقلم/ إيهاب الأمين
مهما أطلنا الحديث ومهما سردنا من وقائع سنجد أنفسنا نقدم نذراً يسيراً من سيرة طويلة من الجرائم والعفن والانحرافات، سيرة كتبها من تاجروا بالدينواستثمروا في الدماء وحوّلوا وطناً بأكمله إلى مختبر لجنون أيديولوجي لم يدفع ثمنه إلا البسطاء والإسلام، كل الإسلام، والإسلام بريءٌ منهم براءة الذئب من دم ابن يعقوب.
في عام 1988 جلس السيد محمد عثمان الميرغني مع السيد/ جون قرنق وخرجا باتفاق واضح صريح يقضي بإيقاف حرب الجنوب نهائياً دون استفتاء ودون انفصال، كان ذلك طوق نجاةٍ لبلد ظل ينزف زماناً طويلاً، كان ذلك باباً للخلاص، لكن الجبهة الإسلامية القومية بتجار الدين فيها وأصحاب المصالح داخلها وخطبائها رفضت الاتفاق دون مبرر منطقي لا حجة موضوعية ولا قراءة واقعية، رفضٌ مطلق وكأنّ السلام ذاته خطيئة، لأنّ السلام لا يخدم مشروعهم ولأن الحرب هي الوقود الذي بحرك عربتهم نحو السلطة، ثم كان الانقلاب في يونيو 1989 حبن انقضّوا على الديمقراطية الوليدة وداسوا على إرادة شعب كان قد قال كلمته، لم يكن انقلاباً على حكومة بل كان انقلاباً على وطنٍ بأكمله، وكانت هناك الخطيئة لا تُغتفر ارتكبتها تلك الحكومة عندما قامت تحويل حرب الجنوب من حرب مطالب أو حتى عناصر متمردة كما كانت تسمى في السابق حولتها إلى حرب دينية وصارت أبواق الإعلام تتحدث عن جهاد وتصف أهل الجنوب المسيحيين بأنهم كفار في بلدٍ كان جيشه يضم المسلمين والمسيحيين معاً في خندقٍ واحد تحت راية واحدة،أي جهاد هذا الذي يرفع السلاح في وجه ابن الوطن؟ أي كفر هذا الذي تُطلقه على من يشاركك التراب والهواء وماء النيل وحب التراب والاستماع إلى محمود عبدالعزيز وأغنيات الحقيبة وتشجيع المريخ؟
هذه الكذبة الكبرى قصمت ظهر القوات المسلحة، لم تُدمّر الجيش بالسلاح بل دمرته بالمعنى، حين تصير الحرب مقدسة وزميلك الذي يقاتل إلى جانبك كافراً وحينما تكون مسيحياً وتطالب بمقاتلة أهلك المسيحيين لأنهم كفار، أحدث هذا الشئ خدشاً واسعاً في جسد قواتنا المسلحة وجرحاً عميق الغور.
ولم يكتفِ الكيزان بذلك بل أنشؤوا مليشيا أسموها الدفاع الشعبي، مليشيا حزبية خالصة أقرب إلى الحكومة من جيشها الوطني تُغدق عليها الحكومة الأموال والاهتمام وتوفر لها السلاح بينما الجيش الرسمي يُترك للعوز والإهمال وسوء التدريب. كانت هذه المليشيا لطمة صريحة في وجه المؤسسة العسكرية تسحب منها الثقة وتمنحها مليشيا حزبية، أي دولة تُبنى بهذا المنطق؟ أيّ سيادة تُحمى بمليشيا حزبية؟.
ثم جاءت الكوميديا السوداء.. كانت الحكومة تُرسل الشباب إلى الموت وتُخادعهم بأن من يسقط في حربها يكون شهيداً وأنّ الجنة تنتظره، وقتل الآلاف في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ماتوا وهم يظنون أنهم يدافعون عن قضية، وعندما اختلف زعيم الحزب مع العسكر انقلبت اللغة وصار من ماتوا فطائس، نعم فطائس، والفطيسة في لسان العرب هي الحيوان الذي يموت حتف أنفه دون ذبح فتعافه النفس ويحرمه الإسلام فلا يُؤكل، هذا هو مصير الشهداء حين تتبدل المصالح، كانوا وقوداً للسلطة فصاروا جيفةً في خطاب زعيمها، أي احتقار لدماء البشر هذا؟ أي وقاحة في المتاجرة بالأرواح؟.
وتمر الأيام وتأتي نيفاشا، ومن يجلس مع قرنق؟ علي عثمان محمد طه، نعم هو نفسه الرجل الذي قاد التحريض ضد اتفاقية الميرغني/قرنق، الرجل الذي رفض السلام حين كان مجانياً، هو الذي عاد ليجلس مع قرنق ويوقّع اتفاقية بثمن باهظ، ما رفضه بالأمس بلا ثمن قبله اليوم بثمن ثقيل هو انفصال الجنوب.
السلام الذي كان ممكناً في 1988 صار مستحيلاً في 2005 إلا بتقسيم الوطن، تلك هي التكلفة الحقيقية لعناد الكيزان وجنونهم، لم يكن الانفصال قدراً محتوماً بل كان نتيجة مباشرة لثلاثين عاماً من الحماقة والدماء.
هذه ليست قصة مضت، هذا جرح مفتوح، جرح اسمه جنوب انفصل وشباب ماتوا في حروب عبثية وجيش تحطم ووطن انكسر. وكل ذلك لأن قوماً قرروا أن الدين مطيّة للسلطة، فلا يعرفون درباً للوصول سوى الكذب باسم الإسلام والمتاجرة باسم الله وحتى اليوم هم مستمرون في نهجهم يدخلون مواقع التواصل ولكل فرد منهم مائة حساب ليصفونني بالكافر، لا لشئ إلا لأنني فضحت حقيقتهم ونشرت غسيلهم القذر.
إن الإسلام بريء منهم والشعب السوداني بريء منهم والوطن بريء منهم، أمّا هم فتاريخهم مكتوب بالدماء وحكمهم مكتوب بالعار، عار لن تطويه الأيام.

زر الذهاب إلى الأعلى