تعقيب علي مقال د. علي كودي تربه أنجلو: هل العلمانية مبدأ فوق دستوري؟ : ماذا يحدث لو صوتت الأغلبية لتطبيق الشريعة الإسلامية؟

خالد كودي
أشكر الدكتور علي كودي تربه أنجلو على قراءته وتعليقه على مقالي المعنون “لا تفاوض على المبادئ التأسيسية بدعاوى التوافق”. غير أنني أعتقد أن موضع الخلاف بيننا لا يتعلق بالعلمانية في ذاتها، وإنما بطبيعة الدولة الدستورية الحديثة، وبالعلاقة بين الحقوق الأساسية والمرجعية التشريعية للدولة.
أولاً: تلخيص أطروحة مقال د. علي كودي تربه أنجلو في خمس فرضيات رئيسية:
١/ يميز بين الحقوق الأساسية، التي لا يجوز إخضاعها للتفاوض، وبين العلمانية التي يعتبرها مجرد نموذج دستوري من بين نماذج متعددة.
٢/ يرى أن العلاقة بين الدين والدولة ليست حقاً أساسياً، وإنما خياراً دستورياً يقرره الشعب عبر الوسائل الديمقراطية.
٣/ يستدل بتنوع النماذج الدستورية في بريطانيا، وفرنسا، والولايات المتحدة، والدول الإسكندنافية ليخلص إلى أن العلمانية ليست مبدأً دستورياً لازماً.
٤/ يعتبر أن تحصين العلمانية كمبدأ فوق دستوري يمثل فرضاً لرؤية فلسفية أو سياسية على الأغلبية.
٥/ وينتهي إلى أن الحقوق الأساسية وحدها هي التي ينبغي أن تكون فوق التصويت، بينما تظل علاقة الدين بالدولة خاضعة للإرادة الشعبية.
أين يكمن الخلط؟
يفترض المقال أن العلمانية مجرد خيار سياسي مستقل عن منظومة الحقوق، ولذلك يمكن تركها للتصويت، بينما تُحصَّن الحقوق الأساسية وحدها.
وهنا يكمن الخلط.
فالعلمانية، أو ما تعنيه في اهم اوجهها هي حياد الدولة تجاه الأديان، ليست حقاً مستقلاً ينافس بقية الحقوق، وإنما هي الإطار الدستوري الذي يجعل تلك الحقوق قابلة للحماية.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:
هل العلمانية حق مستقل؟
وإنما:
هل تستطيع الدولة أن تضمن المساواة الكاملة بين المواطنين إذا أصبحت ملزمة دستورياً بتطبيق المرجعية الدينية لدين واحد؟
إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن حياد الدولة لا يعود خياراً سياسياً عادياً، بل يصبح شرطاً لحماية الحقوق نفسها.
ماذا يحدث لو صوتت الأغلبية لتطبيق الشريعة الإسلامية؟
لنفترض أن الأغلبية، عبر انتخابات ديمقراطية حرة واستفتاء نزيه، قررت أن تكون الشريعة الإسلامية المصدر الأعلى والملزم للتشريع.
من الناحية الإجرائية، لا إشكال في أن القرار صدر بطريقة ديمقراطية.
لكن السؤال الدستوري يبدأ بعد إعلان النتيجة، لا قبلها.
فهل تستطيع الدولة، بعد هذا القرار، أن تعامل جميع المواطنين على قدم المساواة، مهما كانت أديانهم ومعتقداتهم؟
إذا أصبحت الدولة ملزمة بتطبيق تفسير فقهي معين للشريعة، فإن المرجعية القانونية لن تعود المواطنة وحدها، بل ستصبح المواطنة مقيدة بمرجعية دينية محددة.
ومن هذه اللحظة تبدأ الأسئلة الدستورية الكبرى.
هل يبقى غير المسلم في الموقع القانوني نفسه الذي يحتله المسلم إذا اختلفت الأحكام باختلاف الدين؟
هل تبقى المرأة والرجل في المركز القانوني نفسه إذا تبنى التشريع أحكاماً مختلفة في بعض المجالات استناداً إلى تفسير فقهي معين؟
هل تبقى حرية الاعتقاد مطلقة إذا اعتُمدت أحكام الردة أو قيود على تغيير الدين وفق التفسير الذي تتبناه الدولة؟
هل تبقى حرية الضمير والتعبير كما هي إذا اعتُبر نقد بعض التفسيرات الدينية أو مناقشتها خروجاً على القانون؟
هذه ليست أسئلة افتراضية، بل أسئلة دستورية تفرضها طبيعة أي نظام يجعل تفسيراً دينياً محدداً مصدراً أعلى للتشريع.
ولهذا فإن التصويت لم يكن على “العلمانية” بوصفها مصطلحاً، وإنما كان تصويتاً على المرجعية التي ستحدد مضمون جميع الحقوق الأخرى.
لماذا لا تكفي عبارة “سنطبق الشريعة بصورة عادلة”؟
قد يقال إن المشكلة ليست في الشريعة، وإنما في سوء تطبيقها.
لكن الدولة الدستورية لا تُبنى على حسن النوايا.
فالحقوق لا تُحمى بالثقة في الحاكم، وإنما بقيود دستورية تمنعه من المساس بها.
ولهذا لا تربط الدساتير الحديثة الحقوق الأساسية بشخص الحاكم، ولا بالأغلبية، ولا بالتفسير الديني السائد، وإنما تجعلها سابقة على الجميع.
فالمواطنة لا يمكن أن تتوقف على الطريقة التي ستفسر بها السلطة النصوص الدينية، لأن المواطن لا ينبغي أن ينتظر حسن تطبيق السلطة حتى يعرف حجم حقوقه.
التجارب المقارنة لا تؤيد هذا الاستنتاج
استشهد مقال الدكتور علي ببريطانيا، وفرنسا، والولايات المتحدة، والدول الإسكندنافية ليقول إن العلمانية ليست مبدأً فوق دستورياً!!
غير أن هذه المقارنة لا تثبت ما يريد إثباته.
ففي بريطانيا توجد كنيسة رسمية، لكنها لا تملك سلطة تشريعية تجعل حقوق المواطنين تختلف باختلاف الدين.
وفي الدنمارك والنرويج توجد كنائس وطنية، لكن الدولة لا تميز بين المواطنين في الحقوق المدنية على أساس الانتماء الديني.
وفي الولايات المتحدة يمنع الدستور الدولة من فرض دين رسمي على المواطنين أو تحويل عقيدة دينية إلى مصدر ملزم للتشريع المدني.
أما فرنسا فتذهب أبعد من ذلك في حياد الدولة.
إذن تختلف النماذج المؤسسية، لكن النتيجة واحدة.
لا توجد ديمقراطية دستورية حديثة تجعل حقوق المواطنين المدنية رهينة لانتمائهم الديني.
وهذا هو المبدأ المشترك، وليس الشكل المؤسسي للعلاقة بين الدين والدولة.
ليست القضية اسم “العلمانية”
ولو حذفنا كلمة “العلمانية” من النقاش كله، وأعدنا طرح السؤال بطريقة أخرى، لظهر جوهر القضية:
هل يجوز للأغلبية أن تقر نظاماً قانونياً يجعل الحقوق المدنية تختلف باختلاف الدين؟
إذا كانت الإجابة بالنفي، فقد وصلنا إلى النتيجة نفسها.
فالقضية ليست الدفاع عن مصطلح عشوائيا، وإنما الدفاع عن قاعدة دستورية واحدة:
أن الدولة لا يجوز أن تميز بين مواطنيها بسبب عقائدهم الدينية.
وهذه هي الوظيفة الحقيقية لحياد الدولة.
الخلاصة
السؤال الحقيقي ليس:
هل العلمانية مبدأ فوق دستوري؟
بل:
هل يجوز لأي أغلبية، مهما كانت شرعيتها، أن تمنح الدولة سلطة فرض مرجعية دينية تجعل الحقوق الدستورية للمواطنين تختلف باختلاف الدين أو العقيدة أو الجنس؟
إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن حياد الدولة يصبح نتيجة دستورية منطقية، لا لأنه انتصار لفلسفة معينة، وإنما لأنه الشرط الذي يحمي المواطنة المتساوية، ويجعل الحقوق مستندة إلى صفة الإنسان والمواطن، لا إلى انتمائه الديني.
وعندئذ يصبح تحصين “العلمانية” والتي تعني في اهم اوجهها حياد الدولة ضمن المبادئ فوق الدستورية ليس فرضاً لرؤية أيديولوجية، بل حماية للدستور نفسه من أن تتحول إرادة الأغلبية إلى وسيلة للتمييز بين المواطنين.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)



