الأعمدة

من هاجي إلى صلاح.. عندما تحولت تركيا إلى عاصمة النجوم الهاربين”

“


#روما✍️ رضوان علي الحسن🇮🇹
مع انتقال النجم المصري محمد صلاح رسميا إلى طرابزون سبور، عاد الدوري التركي لكرة القدم إلى واجهة الاهتمام العالمي، ليصبح أحدث محطة في مسيرة لاعب ينتمي إلى نخبة نجوم اللعبة في العصر الحديث. صفقة صلاح لم تكن مجرد تغيير في قميص أحد أبرز نجوم العالم، بل بدت نقطة تحول في علاقة طرابزون سبور بجمهور جديد يمتد من مصر إلى مختلف أنحاء العالم العربي، فضلا عن منح المدينة التركية حضورا أكبر على خريطة السياحة والرياضة.
ومنذ الإعلان عن الصفقة، تحولت طرابزون إلى وجهة لاهتمام الجماهير المصرية والعربية، فيما حظي وصول صلاح باستقبال جماهيري حاشد، قبل أن يقدمه النادي في أجواء احتفالية بملعبه «بابارا بارك»، في مشهد عكس حجم الشعبية التي يتمتع بها أحد أكثر اللاعبين العرب تأثيرا في تاريخ كرة القدم الأوروبية. صلاح، الذي سجل 193 هدفا وقدم 94 تمريرة حاسمة في 328 مباراة بالدوري الإنجليزي، وتوج بلقب الدوري مرتين ودوري أبطال أوروبا، يحجز مكانة بارزة في تاريخ ليفربول والكرة الإنجليزية، ويأتي إلى تركيا بعد سنوات استثنائية جعلته أحد أبرز الهدافين في تاريخ النادي والدوري الإنجليزي.
ورغم الزخم الذي رافق انتقاله، فإن صلاح ليس أول نجم عالمي يحط رحاله في الدوري التركي، إذ سبقته أسماء صنعت تاريخا كبيرا في الملاعب الأوروبية، وتركت بصماتها في الكرة التركية. ويعيد وصول صلاح إلى تركيا التذكير بالتاريخ الطويل للدوري المحلي مع استقطاب أسماء كبيرة سبق لها التتويج بأهم الألقاب الأوروبية والعالمية، ولم يكن الدوري التركي خلال السنوات الماضية مجرد محطة للاعبين في نهاية مسيرتهم، بل نجحت أنديته في استقطاب نجوم حافظ بعضهم على مستواه وترك بصمة واضحة، بينما جاء آخرون إلى تركيا بحثا عن تجربة جديدة أو في مرحلة متقدمة من مسيرتهم.
جورجي هاجي.. البداية التي صنعت التاريخ
شكل تعاقد غلطة سراي مع أسطورة الكرة الرومانية جورجي هاجي عام 1996 أول صفقة من هذا الحجم في تاريخ الكرة التركية، إذ كان انتقال لاعب بمكانته مباشرة من برشلونة حدثا استثنائيا آنذاك. كان هاجي أحد أبرز نجوم العالم في أواخر الثمانينيات والتسعينيات، وقاد منتخب رومانيا إلى ربع نهائي مونديال 1994، قبل أن يصنع مع غلطة سراي حقبة ذهبية. ورغم انتقاله إلى تركيا وهو في الحادية والثلاثين من عمره، فإنه ظل قادرا على صناعة الفارق، وساهم في تتويج الفريق بأربعة ألقاب متتالية في الدوري، كما قاده إلى الفوز بكأس الاتحاد الأوروبي عام 2000، ثم كأس السوبر الأوروبي على حساب ريال مدريد، ليصبح أحد أبرز اللاعبين في تاريخ النادي والكرة التركية، متحولا من نجم أوروبي كبير إلى أسطورة للنادي والكرة التركية.
ديدييه دروغبا.. فارس تشيلسي في غالطة سراي
يأتي ديدييه دروغبا في مقدمة هؤلاء النجوم، حيث وصل المهاجم الإيفواري إلى غالطة سراي في يناير 2013 بعد سنوات حافلة مع تشيلسي، توج خلالها بالدوري الإنجليزي ودوري أبطال أوروبا، وأصبح أحد أبرز مهاجمي جيله. ولم يكن دروغبا في حاجة إلى وقت طويل ليثبت قيمته في تركيا، إذ سجل هدف الفوز في كأس السوبر التركي، وساهم في تتويج غالطة سراي بلقب الدوري في موسمه الأول، ليصبح أحد أشهر اللاعبين الأجانب في تاريخ النادي.
روبرتو كارلوس.. بطل أوروبا في إسطنبول
انضم روبرتو كارلوس، أحد أفضل من شغل مركز الظهير الأيسر في تاريخ كرة القدم، إلى فنربهتشه عام 2007 بعد مسيرة حافلة مع ريال مدريد توج خلالها بأربعة ألقاب في الدوري الإسباني وثلاثة في دوري أبطال أوروبا. ورغم تجاوزه الرابعة والثلاثين من عمره، شكل وصوله إلى تركيا حدثا لافتا، وأسهم في تتويج فنربهتشه بكأس السوبر التركي، كما ساعد الفريق على تحقيق أفضل إنجاز أوروبي في تاريخه آنذاك ببلوغ ربع نهائي دوري أبطال أوروبا. ولم ينجح كارلوس في إحراز لقب الدوري، لكنه ترك بصمة واضحة خلال موسمين ونصف، مؤكدا أن الدوري التركي بات قادرا على استقطاب أسماء عالمية كبيرة، وكان من أبرز الصفقات التي جذبت الأنظار إلى فنربهتشه، بصفته أحد أكثر لاعبي جيله شهرة حول العالم.
ويسلي شنايدر.. نجم في قمة العطاء
أحدث انتقال ويسلي شنايدر إلى غلطة سراي في يناير 2013 صدى واسعا، إذ جاء إلى تركيا وهو في الثامنة والعشرين من عمره، بعد سنوات قليلة من قيادته إنتر ميلان إلى لقب دوري أبطال أوروبا ومنافسته على الكرة الذهبية. وخلال أربعة مواسم ونصف، سجل 35 هدفا في 124 مباراة بالدوري، وقاد الفريق إلى لقبين في الدوري وثلاثة ألقاب في كأس تركيا. كما لعب دورا بارزا في مسيرة غلطة سراي الأوروبية، وساهم في بلوغ الأدوار الإقصائية لدوري أبطال أوروبا، ليصبح أحد أبرز المحترفين في تاريخ النادي، ونجح في تحويل شهرته إلى إنجازات داخل تركيا، حيث فاز بلقب الدوري مرتين وكأس تركيا ثلاث مرات وكأس السوبر التركي ثلاث مرات.
أسماء مميزة أخرى.. من إيتو إلى أوسيمين
ولم تقتصر القائمة على هؤلاء فقط، بل شهد الدوري التركي وصول الكاميروني صامويل إيتو، أحد أعظم المهاجمين الأفارقة في التاريخ، الذي اختار الدوري التركي بعد مسيرة استثنائية مع برشلونة وإنتر ميلان، وانضم إلى أنطاليا سبور عام 2015 قبل أن ينتقل لاحقا إلى قونيا سبور، وجذب وصوله اهتماما كبيرا وأصبح من أبرز الوجوه العالمية في الدوري التركي خلال فترة وجوده. كما شهد الدوري وصول الهولندي روبن فان بيرسي الذي انضم إلى فناربخشة عام 2015 بعد مسيرة حافلة مع فينورد وأرسنال ومانشستر يونايتد، وسجل 25 هدفا في 57 مباراة بالدوري مع الفريق، ورغم أن تجربته لم تحقق النجاح نفسه الذي عرفه مع أنديته السابقة، فإن حضور فان بيرسي منح الدوري التركي قدرا كبيرا من الاهتمام.
وضمت القائمة كذلك البرتغالي بيبي، الذي لعب لبشكتاش بعد مسيرة طويلة مع ريال مدريد والمنتخب البرتغالي، والأمر نفسه بالنسبة للإسباني جوتي، الذي تألق في صفوف ريال مدريد قبل انتقاله إلى بشكتاش، إضافة إلى الفرنسي نيكولا أنيلكا الذي لعب لفناربخشة بعد تجارب مثيرة مع أرسنال وريال مدريد وليفربول ومانشستر سيتي وتشيلسي. وهناك أيضا الفرنسي فرانك ريبيري، الذي كانت تجربته مع غالطة سراي قصيرة في 2005، قبل أن يصبح لاحقا أحد أبرز نجوم بايرن ميونخ والكرة الأوروبية، ورغم قصر فترة احترافه في تركيا، فإن تطور مسيرة ريبيري لاحقا جعل اسمه حاضرًا في قائمة أبرز النجوم العالميين الذين مروا بالدوري التركي.
فيكتور أوسيمين.. صفقة كسرت القواعد
مثل انتقال النيجيري فيكتور أوسيمين إلى غلطة سراي صيف 2024 حالة استثنائية، إذ انضم إلى الدوري التركي وهو في الخامسة والعشرين من عمره، وفي قمة مستواه، بعد تعثر صفقة انتقاله إلى تشيلسي، في حين انتقلت معظم الأسماء الكبيرة إلى صفوف الأندية التركية وهي متقدمة في العمر نوعا ما. وبعد موسم إعارة ناجح، حسم غلطة سراي الصفقة نهائيا صيف 2025 مقابل 75 مليون يورو، في أغلى صفقة بتاريخ الدوري التركي. وسجل أوسيمين 37 هدفا في 41 مباراة خلال موسمه الأول، وقاد الفريق إلى لقبي الدوري والكأس، قبل أن يواصل تألقه في موسم 2025-2026 بإحراز 22 هدفا، مساهما في تتويج غلطة سراي بلقب الدوري للمرة الرابعة تواليا، إلى جانب بلوغ ثمن نهائي دوري أبطال أوروبا، حيث سجل سبعة أهداف في البطولة.
من هاجي إلى صلاح.. مسيرة تطور متواصل
تعكس هذه الصفقات تطورا واضحا في نوعية النجوم الذين نجح الدوري التركي في استقطابهم. فمع هاجي بدأت مرحلة جذب الأسماء الأوروبية الكبيرة، ثم جاء روبرتو كارلوس حاملا معه بريق ريال مدريد، بينما مثل شنايدر نموذجا للنجم الذي وصل إلى تركيا وهو لا يزال في قمة عطائه، قبل أن يكسر أوسيمين التوقعات بانتقال قياسي وهو أحد أفضل مهاجمي العالم. أما صلاح، فينضم إلى هذه القائمة بميزة مختلفة؛ فهو لا يأتي باعتباره لاعبا كبيرا فقط، بل أحد أكثر نجوم كرة القدم جماهيرية وتأثيرا على مستوى العالم، وهو ما يمنح الصفقة أبعادا تتجاوز المستطيل الأخضر إلى الإعلام والتسويق والسياحة والتفاعل الرقمي. وبالنسبة للكرة التركية، فإن وصول صلاح لا يتعلق فقط بقيمة لاعب داخل الملعب، وإنما يمثل استمرارا لتقليد طويل جعل الدوري المحلي قادرا على جذب أسماء ذات شهرة عالمية.
وبينما اختلفت نتائج تجارب دروغبا وهاغي وشنايدر وإيتو وفان بيرسي وروبرتو كارلوس وبيبي وجوتي وأنيلكا وريبيري وأوسيمين، فإن القاسم المشترك بينها كان قدرة الدوري التركي على جذب الأنظار عندما يقرر نجم كبير اتخاذ إسطنبول أو مدينة تركية أخرى محطة في مسيرته. ويبقى السؤال الأهم: هل ينجح صلاح في ترك الإرث نفسه الذي تركه هاجي مع غلطة سراي أو شنايدر وأوسيمين مع النادي ذاته أو روبرتو كارلوس مع فنربهتشه؟ الإجابة ستحدد مكانته بين أبرز النجوم العالميين الذين لعبوا في الكرة التركية، لكن المؤكد أن وصوله إلى طرابزون سبور فتح فصلا جديدا في تاريخ النادي، ومنح المدينة والدوري التركي حضورا أوسع على الساحة الكروية العالمية.

زر الذهاب إلى الأعلى