تقارير

اعتقال و إخفاء ود السائح… نموذج مليشيات الإسلاميين في البطش والاختفاء القسري

في ظروف غامضة واستثنائية في الفترة التي سبقت اجتياح قوات الدعم السريع لمدينة ود مدني وسيطرتها على ولاية الجزيرة، اعتقلت مليشيات مدعومة من الإسلاميين وتساندها قوة من الاستخبارات العسكرية بكري ود السائح.
ومنذ ذلك اليوم ظل ود السائح قابعاً في سجونهم دون أي توضيح لأسباب ومكان اعتقاله، ومع حرمان أسرته من الوصول إليه أو معرفة مكانه، في جريمة حرب مكتملة الأركان تحت مسمى الاختفاء القسري الذي يجرمه القانون الدولي الإنساني.
ود السائح شاب ثائر تقدم الصفوف في ثورة ديسمبر المجيدة، وكان أحد أعلامها ورموزها في ولاية الجزيرة.
منذ انطلاق أولى المظاهرات ضد النظام البائد في الولاية وحتى لحظة سقوطه، كان ود السائح حاضراً في كل المواكب والفعاليات الثورية. وحتى بعد سقوط النظام وفي عهد الحكومة الانتقالية ظل أحد حراس أهداف الثورة.
ثم بعد انقلاب البرهان/حميدتي عاد إلى الشارع ثائراً ضد النظام الانقلابي الجديد، وتعرض لما تعرض له الثوار من قمع وتنكيل وعنف في ولاية الجزيرة وداخل مسقط رأسه بمدينة الكاملين.
نداء الوطن
يقول أحد أصدقائه إن ود السائح ومنذ الطلقة الأولى في 15 أبريل من العام 2023 لبى نداء الوطن كعادته وانضم إلى صفوف الثوار، معلناً رفضه للحرب ومطالباً بوقفها من داخل السودان وفي قلب الجزيرة من مدينة الكاملين. واستمر على نهجه حتى اقتادته مليشيات الإخوان المسلمين إلى معتقلاتها من مدينة الكاملين إلى مدينة ود مدني، ثم اختفى أثره وانقطعت أخباره دون معرفة أسباب اعتقاله أو مكان تواجده.
وبعد اجتياح قوات الدعم السريع لولاية الجزيرة استمرت حالة اختفائه حتى استرداد الجيش للولاية مرة أخرى.
أسئلة دون إجابة
تقول أسرته في مقابلات صحفية سابقة إنها ظلت تلاحق الأجهزة الأمنية بالأسئلة المتكررة وتلح عليها بالسؤال عن ابنها المعتقل والمختفي قسرياً، وتطالبها بالكشف عن مكان اعتقاله وظروفه وملابساته دون جدوى. فيما ظلت تلك الأجهزة تنكر عملية الاعتقال كعادتها في كل حالة مشابهة منذ عهد النظام المباد. وتؤكد الأسرة أنه مضى على اختفاء ابنها سنوات، وحتى الآن لم تكل ولم تمل من ملاحقة السلطات لكنها لم تصل إلى أي شيء.
صدرت بيانات عديدة من قوى سياسية وتنظيمات وطنية وقوى مدنية وحملات تضامن، طالبت جميعها بالكشف عن مكان اعتقال ود السائح وتمليك الرأي العام وأسرته معلومات عن ظروف وملابسات اعتقاله، وإطلاق سراحه أو تقديمه إلى محاكمة عادلة بعد تدوين بلاغات جنائية في مواجهته. لكن كل تلك المطالبات لم تحرك ساكناً في ظل صمت الأجهزة الأمنية ومليشيات الإخوان المسلمين المتورطة في عملية اعتقاله.
بلاغات دولية
أعلن مرصد الجزيرة لحقوق الإنسان أنه تقدم ببلاغ عاجل إلى لجنة الأمم المتحدة المعنية بحالات الاختفاء القسري بشأن قضية المواطن السوداني أبوبكر ود السائح، وذلك في العام الماضي، في إطار الولاية الممنوحة للجنة بموجب الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.
وأضاف المرصد في بيان أن هذا الإجراء يأتي بعد استمرار انقطاع المعلومات بشأن مصير ومكان وجود أبوبكر، وما تعانيه أسرته من قلق ومعاناة نتيجة حرمانها من معرفة مصيره في ظل غياب معلومات رسمية موثوقة حول وضعه.
ودعا المرصد لجنة الأمم المتحدة إلى اتخاذ إجراءاتها العاجلة لمخاطبة السلطات السودانية من أجل الكشف عن مكان وجوده، وضمان سلامته واحترام حقوقه الأساسية، وتمكين أسرته من معرفة مصيره بما يتوافق مع أحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان.
وأكد أن الاختفاء القسري يمثل انتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان، ويُلحق أضراراً بالغة بالضحايا وأسرهم، ويقوض سيادة القانون، الأمر الذي يستوجب تحقيقات فعالة ومستقلة ومحاسبة المسؤولين عنه.
وجدد المرصد التزامه بمواصلة توثيق حالات الاختفاء القسري والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، واستخدام الآليات الإقليمية والدولية المتاحة لدعم الضحايا وأسرهم، والعمل من أجل كشف الحقيقة وتحقيق العدالة وإنهاء الإفلات من العقاب.
جريمة الإخفاء القسري
يقول المحامي والناشط الحقوقي المعز حضرة لـ”صحيح السودان” إن جريمة الاختفاء القسري يعاقب عليها القانون الجنائي السوداني والاتفاقيات الدولية، مؤكداً أن كل الدلائل تشير إلى أن قوات لها علاقة بنظام المؤتمر الوطني المباد كانت وراء اعتقال أبوبكر ود السائح.
ووجه اتهامه بصورة مباشرة إلى تورط كتائب الإسلاميين في تلك الجريمة كواحدة من الأدوات التي تستخدمها لتصفية حساباتها مع كل الشباب الناشطين والداعمين لثورة ديسمبر من لجان المقاومة وكل من يقول “لا” للحرب. وأضاف أن هناك حالات مشابهة كثيرة حدثت في الخرطوم وغيرها من ولايات السودان، خاصة في مناطق الحلفايا وشرق النيل.
وأكد معز في حديثه لـ”صحيح السودان” أن الجهات التي اعتقلت ود السائح لا تملك السلطة القانونية لاعتقاله، لأن القانون لا يسمح للجهات العسكرية والمليشيات باعتقال الأشخاص المدنيين العاديين من أمثال ود السائح. ونبه إلى أن لجنة التحقيق والتقصي في الانتهاكات تواصلت مع سلطات الأمر الواقع للكشف عن مكان وملابسات اعتقال ود السائح دون جدوى.

زر الذهاب إلى الأعلى