
بقلم/ إيهاب الأمين
حين نتأمل تاريخ الحركات السياسية في البلدان المسلمة نجد أن الأحزاب الشيوعية واليسارية عموماً واجهت ما لم تواجهه أي حركة سياسية أخرى من حيث حجم الاتهامات التي كيلت لها ومن حيث طبيعة المعركة التي فرضت عليها. لم تكن هذه المعركة معركة أفكار وبرامج بل كانت في جوهرها معركة وجودية استخدم فيها الدين سلاحاً سياسياً لا رسالة روحية واستخدم فيها التكفير أداة إقصاء لا دعوة إلى حوار، وقد تجلى هذا بوضوح في بلدان عديدة من العالم الإسلامي من إندونيسيا إلى تركيا ومن العراق إلى مصر ومن إيران إلى السودان حيث وقفت الأحزاب الشيوعية في مواجهة آلة دعائية ضخمة صورتها وكأنها عدو للدين ذاته لا مجرد منافس سياسي يحمل رؤيا اقتصادية واجتماعية مختلفة.
إن المأساة الحقيقية تبدأ من الخلط المتعمد بين الإلحاد بوصفه موقفاً فلسفياً فردياً وبين برنامج سياسي اجتماعي يسعى إلى تحقيق العدالة وتوزيع الثروة ومقاومة الاستغلال. فالأحزاب الشيوعية في البلدان المسلمة حتى تلك التي لم تتبنَّ الإلحاد صراحة في أدبياتها جرى إلصاق هذه التهمة بها وكأنها جوهر مشروعها والواقع أن كثيرا من هذه الأحزاب ضم في صفوفه مؤمنين ومسلمين ومسيحيين رأوا في العدالة الاجتماعية التي يدعو إليها الفكر الماركسي امتداداً طبيعياً لقيم دينية أصيلة ورأوا أن مقاومة الاستغلال والاحتكار ليست كفراً بل هي صلب ما جاءت به الأديان لكن هذا التفصيل الدقيق لم يجد سبيلا إلى وعي جماهيري جرى تشكيله على مدى عقود عبر منابر دينية مسيسة وخطاب إعلامي أحادي.
لقد استغلت الأحزاب المنافسة ولا سيما تلك التي رفعت شعارات إسلامية أو تلك التي ارتبطت بمصالح اقتصادية تقليدية هذا الخلط بأقصى ما يمكن من براغماتية. صنعت من الدين حائط صد منيعاً تقف خلفه لتحمي امتيازاتها الطبقية ومصالحها السياسية ولم تكن هذه الأحزاب تدافع عن الدين بقدر ما كانت تدافع عن مواقعها لكنها أدركت أن أسهل طريق إلى تعبئة الجماهير وإسكات الخصم هو رفع راية التكفير. وفي مجتمعات تعاني من ضعف الوعي السياسي ومن انتشار الأمية ومن غياب التربية النقدية أصبح هذا السلاح فعالاً إلى حد مرعب وصار المواطن البسيط يسمع أن الشيوعي كافر فيصدق دون أن يسأل عن برنامج هذا الحزب أو عن مواقفه الوطنية أو عن نزاهة أفراده وصارت التهمة تغني عن المناقشة وصار الإقصاء يحل محل التنافس.
في تركيا على سبيل المثال عاش الحزب الشيوعي التركي عقوداً من الحظر والمطاردة وكان اتهام الإلحاد والكفر أداة أساسية في تبرير قمع أعضائه وملاحقتهم وفي إندونيسيا كانت مذبحة عام 1965 التي راح ضحيتها مئات الآلاف من أعضاء الحزب الشيوعي الإندونيسي ومؤيديه مبنية بالأساس على خطاب ديني تحريضي صور هؤلاء بوصفهم أعداء للإسلام، وفي العراق واجه الحزب الشيوعي العراقي حملات تكفير متكررة رغم أن كثيراُ من أعضائه كانوا من عائلات مسلمة متدينة ورغم أنه قدم تضحيات هائلة في مقاومة الاستعمار والدكتاتورية وفي مصر واجهت الحركة الشيوعية منذ الأربعينيات حملات تشويه ممنهجة بلغت ذروتها في عهود مختلفة حيث جرى تصوير الشيوعي بوصفه عدواً للدين وللوطن في آن واحد رغم أن كثيراً من رواد الحركة كانوا من أكثر الناس التصاقاً بقضايا الوطن.
إن المتاجرة بالدين في هذا السياق ليست ظاهرة طارئة بل هي بنية راسخة في السياسة العربية والإسلامية المعاصرة فالأحزاب التي لا تملك برنامجاً اقتصادياً واضحاُ ولا رؤية اجتماعية متماسكة ولا خطة عمل حقيقية لتطوير البلاد تجد في الدين ملاذاً آمناً وترفع شعارات دينية فضفاضة وتكفر خصومها وتكتفي بذلك عن تقديم أي حل ملموس لمشاكل الناس والمواطن الفقير الذي يعاني من البطالة ومن تدهور الخدمات ومن الفساد يقال له إن المشكلة ليست في غياب البرنامج ولا في فساد الحاكم بل في وجود شيوعي أو علماني أو يساري يهدد دينه وهكذا تنصرف الأنظار عن الأسباب الحقيقية للفقر والتخلف وتوجه نحو عدو وهمي أو نحو خصم سياسي تجري شيطنته.
وهنا تبرز مشكلة الوعي بوصفها الجرح الأعمق فالأحزاب التي تتاجر بالدين لا يمكن أن تنجح إلا في بيئة تعاني من ضعف التعليم ومن غياب الثقافة النقدية ومن تهميش دور العقل في الحياة العامة حين يكون المواطن غير قادر على قراءة برنامج سياسي وفهمه ومقارنته ببرامج أخرى فيصبح من السهل أن يقاد بشعار واحد أو بفتوى واحدة وحين تغيب حرية الصحافة وحرية التعبير وحرية التنظيم لا يجد المواطن مصدراً للمعرفة سوى الخطاب الرسمي أو الخطاب الديني المسيس فيصبح أسيراً لرواية واحدة لا تقبل النقاش.
والأمر المؤلم أن بعض هذه الأحزاب المتاجرة بالدين لا تملك أي سجل نضالي حقيقي ولا أي مساهمة في بناء الدولة أو في مقاومة الاستعمار أو في خدمة الناس إنها أحزاب بلا برامج وبلا خطة عمل تعيش على شعارات فضفاضة وعلى خطاب تخويفي ومع ذلك فإنها تملك منابر إعلامية ومالية ودينية تمكنها من السيطرة على الوعي العام ومن إقصاء كل صوت مختلف دون أن تضطر إلى مواجهته فكرياً أو برنامجياً.
وفي خضم هذا المشهد القاتم تبرز تجربة الحزب الشيوعي السوداني بوصفها واحدة من أعمق التجارب وأكثرها شجاعة ونزاهة في تاريخ الحركات السياسية في العالم الإسلامي، هذا الحزب الذي تأسس عام 1946 لم يكن يوماً حزباً منغلقاً على ذاته أو منفصلاً عن مجتمعه بل كان حزبا نشأ من رحم الواقع السوداني بكل تعقيداته وحمل على عاتقه قضايا العمال والمزارعين والمهمشين ودافع عن استقلال السودان ووحدة أراضيه وقاوم الدكتاتوريات العسكرية المتعاقبة بثبات نادر.
لقد قدم الحزب الشيوعي السوداني برامج سياسية واقتصادية واجتماعية واضحة ومفصلة لا شعارات فارغة ولا خطابات إنشائية، تحدث عن الإصلاح الزراعي وعن حقوق العمال وعن التعليم المجاني وعن الصحة العامة وعن حقوق المرأة وعن قضية الجنوب وذلك في وقت كانت فيه أحزاب أخرى تكتفي برفع شعارات دينية عامة دون أن تقدم أي تصور ملموس لكيفية إدارة الدولة أو حل مشاكل الناس وكانت برامجه شجاعة لأنها واجهت مصالح راسخة وكانت نزيهة لأنها لم تتلوث بفساد السلطة ولم تتحول إلى أداة لإثراء قادتها.
ومن أبرز ما يميز تجربة الحزب الشيوعي السوداني أن أفراده عرفوا بالنزاهة الشخصية وبالالتزام الأخلاقي وبالبساطة في العيش فلم يكن قادة هذا الحزب من أهل الثراء ولا من أصحاب الامتيازات بل كانوا في الغالب من المعلمين والأطباء والمهندسين والعمال الذين اختاروا طريق النضال طوعاً استشهد منهم من استشهد تحت التعذيب في سجون الدكتاتوريات وسجن منهم من سجن وشرد منهم من شرد ومع ذلك لم يتخلوا عن مبادئهم ولم يتحولوا إلى أدوات في يد السلطة.
والأمر اللافت في التجربة السودانية أن أعضاء الحزب الشيوعي السوداني لم يكونوا بعيدين عن الدين لا في حياتهم الشخصية ولا في ثقافتهم العامة وكثير منهم كانوا من عائلات متدينة وكثير منهم حافظوا على ممارساتهم الدينية وكثير منهم رأوا في قيم العدل والمساواة التي يدعو إليها الحزب امتداداً لقيم إسلامية أصيلة حيث لم يكن الحزب معادياً للدين، ولم يفرض على أعضائه إلحاداً بل ترك مسألة الإيمان الفردي مسألة تخص العضو وحده، ومع ذلك استمرت الأحزاب الأخرى ولا سيما تلك التي ترفع شعارات إسلامية في الحديث عن بعد الحزب عن الدين وفي اتهامه بالكفر والإلحاد وفي استخدام هذا الاتهام أداة لتبرير إقصائه وملاحقته.
لقد واجه الحزب الشيوعي السوداني حملات تكفير ممنهجة منذ الخمسينيات وتعرض للحل في عهد الفريق إبراهيم عبود ثم في عهد جعفر نميري الذي انقلب عليه بعد أن تحالف معه ثم واجه التضييق في عهد الصادق المهدي ثم تعرض لأبشع حملات القمع والتشريد في عهد عمر البشير، وفي كل مرحلة كان سلاح التكفير حاضراً وكانت تهمة الإلحاد جاهزة وكانت الأحزاب المنافسة تستفيد من هذا الخطاب لتبرير قمع خصمها دون أن تضطر إلى مواجهته فكرياً أو إلى تقديم بديل برنامجي حقيقي.
إن المفارقة المحزنة أن هذه الأحزاب التي تتهم الحزب الشيوعي بالبعد عن الدين هي في الغالب أحزاب بلا برامج حقيقية بلا خطة عمل واضحة بلا تصور مفصل لكيفية إدارة الاقتصاد أو تطوير التعليم أو حل مشاكل الفقر والبطالة إنها أحزاب تعيش على الشعارات الدينية وعلى خطاب التخويف وحين تسألها عن برنامجها الاقتصادي أو عن خطتها للتنمية أو عن رؤيتها لحل أزمة الديون أو لمعالجة الفقر لا تجد لديها سوى عبارات عامة مبهمة ومع ذلك فإنها تملك من المنابر ما يمكنها من السيطرة على الوعي العام ومن شيطنة كل من يختلف معها.
إن الدرس الأعمق الذي تقدمه تجربة الأحزاب الشيوعية في البلدان المسلمة وتجربة الحزب الشيوعي السوداني على وجه الخصوص هو أن المعركة ليست بين دين وإلحاد بل هي بين من يملك برنامجاً ومن لا يملك برنامجاً، بين من يعمل لخدمة الناس ومن يعمل لخدمة مصالحه، بين من يواجه السلطة الفاسدة ومن يتحالف معها، والدين في هذه المعركة ليس إلا غطاء وسلاحاً وأداة تعبئة والمتاجرة به ليست دفاعا عنه بل هي أكبر إساءة إليه لأنها تحوله من رسالة تحرر ورحمة وعدل إلى أداة قمع وإقصاء وتبرير للظلم.
يبقى أن نقول إن أي نهضة حقيقية في البلدان المسلمة تتطلب فك الارتباط بين الدين والسياسة بالمعنى الحزبي الضيق لا بمعنى إقصاء الدين من الحياة العامة بل بمعنى منع تحويله إلى أداة حزبية للتكفير والإقصاء وتتطلب بناء وعي يمكن المواطن من قراءة البرامج ومقارنتها والحكم عليها بمعايير العقل والمصلحة العامة لا بمعايير التخويف والتهديد وتتطلب قبل ذلك كله شجاعة في مواجهة المتاجرين بالدين وفي فضح أولئك الذين لا يملكون برنامجاً ولا خطة عمل ولا رؤية ومع ذلك يجلسون على المنابر ويكفرون الناس ويحرمون عليهم حق الاختلاف.
إن الحزب الشيوعي السوداني بما قدمه من تضحيات وبما حمله من برامج شجاعة وبما عرف به أفراده من نزاهة يظل شاهداً على أن السياسة النبيلة ممكنة حتى في أشد البيئات عداء وأن النضال من أجل العدالة لا يحتاج إلى تبرير ديني كي يكون مشروعاً وأن من يتهم الآخرين بالكفر ليخفي فراغه الفكري والبرامجي هو في الحقيقة أخطر على الدين ممن يتهمه بالكفر لأنه يحول الدين إلى أداة ظلم بدل أن يكون رسالة عدل ورحمة.
المراجع والمصادر:
*آفاق المستقبل لعبدالخالق محجوب دار الفجر للطباعة والنشر الخرطوم.
*تاريخ السودان الحديث 1898 – 1955 لمحمد سعيد القدال مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي أم درمان.
*صراع السلطة والثروة في السودان لتيم نبلوك ترجمة أحمد الطيب دار جامعة الخرطوم للنشر.
*حوارات حول الماركسية والدين لمحمد إبراهيم نقد دار الفارابي بيروت.
*الحزب الشيوعي السوداني والاستقلال لبيتر بيلشلي مجلة الشؤون الإفريقية العدد 42 لندن.
*الشيوعية ومسألة الدين في السودان، عبدالله علي إبراهيم دار عزة للنشر الخرطوم.
*نظرية الرواية والرواية العربية لفيصل دراج دار الآداب، بيروت في سياق مناقشة الأدب الملتزم.
*الحركات الإسلامية في السودان بروف حسن مكي مركز الدراسات الاستراتيجية الخرطوم.
*الحزب الشيوعي السوداني ودوره في الحركة الوطنية لجبريل إبراهيم مجلة الدراسات السودانية العدد 18.
*السودان في مأزق: الاقتصاد والسياسة 1956 – 1986 لتوني بارنيت مطبعة جامعة كامبريدج.



