
✍️محمد الفاتح حضرة
قصة قصيرة لمعاناة طويلة ✍️
في السودان، لا تموت الحكايات…
بل تتبدل أسماؤها فقط.
ويتغير الأبطال.
ويتغير الأعداء.
وتتغير الرايات.
أما الدم السوداني…
فيظل هو نفسه.
ولأن الذاكرة السودانية كثيراً ما تُستنزف تحت وطأة الحرب والدعاية والخوف، فإننا نظل نعيش المأساة ذاتها، ثم يُطلب منا في كل مرة أن ننسى الحلقة السابقة، وأن نصدق الرواية الجديدة.
لنعد قليلاً إلى الوراء…
2003 | موسى هلال والجنجويد
عندما اندلعت حرب دارفور، احتاج نظام الإنقاذ إلى قوة تقاتل حركات دارفور المسلحة، فظهر موسى هلال ورجال الجنجويد كأحد أهم أدوات النظام في تلك الحرب.
كانت الرواية الرسمية واضحة:
هؤلاء يدافعون عن الدولة ويحاربون التمرد.
ولكنَّ أهل دارفور عرفوا رواية أخرى أكثر قسوة.
قرى تُحرق.
ومدن وقرى تُهجَّر.
وأسر تفقد أبناءها.
ونساء وأطفال وشيوخ يدفعون ثمن حرب لم يختاروها.
وارتبط اسم موسى هلال تاريخياً باتهامات خطيرة تتعلق بانتهاكات واسعة ارتكبتها قوات الجنجويد في دارفور.
لكن السياسة لا تعرف الوفاء للأدوات.
فحين انتهت الحاجة إلى الرجل…
تغير التصنيف.
2013 – 2017 | حميدتي: الأداة الجديدة
ظهرت قوات الدعم السريع، الخارجة من رحم تجربة الجنجويد، وأصبح حميدتي أحد أهم رجال النظام وأدواته العسكرية.
كبرت القوة.
وتضخمت صلاحياتها.
وأصبحت، شيئاً فشيئاً، قوة عسكرية هائلة تتجاوز حدود وظيفتها الأصلية.
وفي المقابل…
بدأ موسى هلال يخرج من حسابات السلطة.
ثم وقع الصدام.
فالرجل الذي كان بالأمس أداة للنظام أصبح اليوم خصماً له.
وفي عام 2017 هاجمت قوات الدعم السريع معقل موسى هلال في مستريحة، وانتهى الأمر باعتقاله.
تأملوا المشهد:
موسى هلال كان بطلاً عندما احتاجه النظام.
ثم أصبح متمرداً عندما اختلف معه.
وحميدتي كان رجل الدولة عندما احتاجه النظام.
ثم أصبح هو نفسه عدواً عندما تبدلت المعادلة..
🤔فهل تغيرت الحقيقة؟
أم تغيرت فقط حاجة السلطة إلى الرجل؟
2023 | حين انقلب الحليف إلى عدو
جاءت حرب الخامس عشر من أبريل 2023..
وانقلب كل شيء.
حميدتي، الذي كان بالأمس شريكاً في السلطة ورجل الدولة الثاني، أصبح في خطاب قادة الجيش وحلفائه متمرداً وعدواً للدولة.
🫵وفي المقابل، عادت إلى المشهد قوى وحركات دارفورية كان نظام الإنقاذ قد قاتلها لسنوات.
أركو مناوي.
وجبريل إبراهيم.
وآخرون.
بالأمس كانوا «متمردين علي الدولة».
واليوم أصبحوا حلفاء في حرب الدولة ضد حميدتي.
فعاد موسى هلال إلى حسابات الدولة من جديد.
وهكذا أُعيد ترتيب الخنادق.
موسى هلال في حسابات جديدة.
ومناوي وجبريل في معسكر جديد.
وحميدتي في خانة جديدة.
🧐🫵والسؤال الذي يجب أن يطرح نفسه هنا:
هل تغيرت معايير الوطنية؟
أم تغيرت فقط مصلحة السلطة وموازين الحرب؟
أبو عاقلة كيكل… الحلقة الأكثر وضوحاً
كان أبو عاقلة كيكل قد انضم إلى قوات الدعم السريع عند إندلاع الحرب ، ثم عيّنته قيادة الدعم السريع قائداً لقواتها في ولاية الجزيرة، وبسطت عليه نفوذاً واسعاً باعتباره قائداً عسكرياً لقواتها في الولاية.
وهنا تكمن أهمية هذه الواقعة.
فكيكل لم يكن مجرد مقاتل عادي في صفوف الدعم السريع، وإنما كان صاحب قيادة وسلطة عسكرية واسعة على مسرح العمليات في ولاية الجزيرة.
ثم سقطت ولاية الجزيرة في قبضة قوات الدعم السريع، ووقعت خلال فترة سيطرتها انتهاكات ومآسٍ واسعة بحق المدنيين، من قتل ونهب وسلب واغتصاب وتشريد وإتلاف للممتلكات، وتوجهت الأنظار بصورة خاصة إلى مجزرة قرية ود النورة في يونيو 2024، التي قُتل فيها عشرات المدنيين.
ومن هنا فإن كل ما وقع في المناطق الخاضعة لقيادته وسلطة قواته يستوجب تحقيقاً جدياً وشاملاً لتحديد المسؤوليات:
من أصدر الأوامر؟
ومن نفذ؟
ومن علم ولم يمنع؟
ومن شارك؟
ومن تستر؟
ومن يتحمل المسؤولية القيادية عن تلك الجرائم التي ارتكبتها القوات الواقعة تحت إمرة أبو عاقلة كيكل؟
هي أسئلة العدالة.
وليست أسئلة الانتقام.
ثم حدث التحول الكبير…
في أكتوبر 2024، انشق أبو عاقلة كيكل عن قوات الدعم السريع، وانضم إلى الجيش بقواته.
وفجأة… تغير التصنيف لهذا الرجل..
الرجل الذي كان بالأمس قائداً لقوات الدعم السريع في ولاية الجزيرة…
أصبح اليوم قائداً يقاتل إلى جانب الجيش.
فتغيرت اللغة.
وتغير الخطاب.
وتغيرت النظرة إليه..
وهنا يجب أن نتوقف طويلاً:
هل تغيرت حقيقة أفعال كيكل لأن الخندق قد تغير؟
هل يستطيع الانشقاق أن يمحو أوزار الماضي؟
هل تستطيع الراية الجديدة أن تمحو دماء وأعراض أهل ود النورة؟
هل تنتقل المسؤولية عن الجرائم من سجل إلى سجل بمجرد إنتقال صاحبها من معسكر إلى آخر؟
إن العدالة لا تعرف هذه الحسابات.
فمن تثبت إدانته يُحاسب، أياً كان موقعه، وأياً كانت الراية التي يحملها.
ومن تثبت براءته يُبرأ، ولو كان خصماً لنا.
هذه هي الدولة وهذه هي العدالة التي نريدها.
أما أن يصبح الرجل مجرماً حين يقاتلنا ، وبطلاً حين ينشق وينضم إلينا…
فهذه ليست عدالة.
وهذا هو بالضبط الخداع الذي نتحدث عنه.
النور القبة… الحلقة الأخرى
ثم جاء النور القبة.
رجل ارتبط اسمه منذ سنوات بالصراع المسلح في دارفور، ثم أصبح من قيادات قوات الدعم السريع، وارتبط اسمه بمعارك الجزيرة و الفاشر.
الفاشر ليست مجرد مدينة في هذه الحرب.
الفاشر أصبحت عنواناً للحصار والخوف والجوع والموت والانتهاكات.
عاث فساداً وسفكاً للدماء، ثم انشق النور القبة عن قوات الدعم السريع في أبريل 2026، ووصل إلى مناطق سيطرة الجيش.
والأعجب من ذلك:
استقبله قادة الجيش ورُحِّب بانضمامه إلى صفوفهم.
وهنا يعود السؤال نفسه:
هل يتغير الحقّ بتغير الخندق؟🤔
هل يتحول المجرم إلى بطل بمجرد أن يصبح في صفنا؟
هل تصبح الانتهاكات التي كانت بالأمس جريمة مجرد صفحة يمكن طيها اليوم؟
هل الإنشقاق يمحو دماء و دموع الضحايا ويرضي أولياء الدم؟
إن القضية هنا ليست كيكل وحده.
ولا النور القبة وحده.
ولا موسى هلال وحده.
ولا حميدتي وحده.
إننا أمام ظاهرة سياسية وعسكرية وأخلاقية كاملة:
ظاهرة الإنتقائية في صناعة الأبطال…
ثم صناعة الأعداء…
ثم إعادة صناعة الأبطال من الأعداء أنفسهم.
من الذي صنع هذه الدائرة؟
هنا نصل إلى السؤال الأكبر.
من الذي صنع هذه الأدوات؟
من الذي سلّح الجنجويد؟
من الذي استخدمهم في دارفور؟
من الذي نقل وتطور تجربة الجنجويد إلى قوات الدعم السريع؟
من الذي استخدم قوات الدعم السريع؟
ومن الذي جعل الميليشيا جزءاً من بنية الجيش الوطني ؟
ومن الذي بدّل الحلفاء والخصوم بحسب حاجته السياسية والعسكرية؟
🫵إنها منظومة نظام الإنقاذ، والحركة الإسلامية، والمؤتمر الوطني، وشركائهم.
هم الذين فتحوا هذا الباب.
هم الذين جعلوا السلاح بديلاً عن القانون والدستور.
وهم الذين استخدموا الميليشيات في مواجهة الشعب والقوى المدنية.
ثم أصبحت تلك الميليشيات أكبر من أن تبقى مجرد أدوات في يد جماعة الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني..
فخرج السلاح من يد صانعه.
ثم صار الصراع بين الأدوات نفسها.
ثم دخل السودان كله في الجحيم.
وهكذا:
في البداية، استخدموا موسى هلال ضد حركات دارفور المسلحة.
ثم استخدموا حميدتي ضد موسى هلال.
ثم أصبح حميدتي عدواً.
فعادوا إلى موسى هلال..
واستعانوا بمناوي وجبريل.
جاء كيكل..
ثم انشق كيكل.
و جاء النور القبة..
ثم انشق النور القبة.
وفي كل مرة…
يتغير التصنيف.
ولكن هل تتغير الحقيقة؟
🛑 عندما تصبح الحرب مباراة
المأساة لم تعد فقط في الذين يصنعون الحرب..
المأساة أن بعض السودانيين أصبحوا جزءاً من ماكينة الحرب النفسية.
أصبحنا نتعامل مع الحرب وكأنها مباراة كرة قدم.
إذا تقدم الجيش…
فرح قوم.
وإذا تقدمت قوات الدعم السريع…
فرح آخرون.
مدينة سقطت.
ومدينة استُعيدت.
ومنطقة انتقلت من يد إلى أخرى.
والناس تهتف وتصفق وتنتظر النتيجة.
وكأن السودان ملعب، والجيش فريق، وقوات الدعم السريع فريق آخر، ونحن جمهور ينتظر صافرة النهاية!!
لكن الحرب ليست مجرد مباراة.
فإن وراء كل تقدم عسكري:
قتلى.
وجرحى.
ومشردون.
وأسر مكلومة.
وراء كل مدينة تُستعاد:
بيت تهدم.
ومزرعة احترقت.
وطفل فقد أباه.
وراء كل مدينة تسقط:
أسرة جديدة تبحث عن مكان آمن.
فأي انتصار بالله عليكم هذا الذي نحتفل به؟!
🛑 حال السودان الذي لا يراه أطراف الحرب
لعل المشهد الأكثر بلاغة من كل الخطب العسكرية هو الحال التي عليها اغلب مدن وقري السودان .
في أجزاء واسعة من دارفور، وفي جنوب وغرب كردفان، وفي مناطق من النيل الأزرق، لم تعد القرى والمدن أماكن سكنية طبيعية.
المواطن المدني بات محاصر ما بين بندقيتين.
إذا بقي في مكانه، نظر إليه الطرف المسيطر باعتباره متعاوناً مع الطرف الآخر.
وإذا نزح إلى منطقة يسيطر عليها الجيش، قد يُنظر إليه هناك باعتباره متعاوناً مع قوات الدعم السريع.
وإذا ذهب إلى مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع، يحدث العكس.
فأصبح المدني في السودان متهماً لمجرد أنه بقي حياً في المكان الخطأ!
وهكذا لم يعد النزوح دائماً بحثاً عن الطعام والماء والعلاج فقط.
بل أصبح في كثير من الأحيان هروباً من التصنيف.
يهرب الإنسان من قرية يسيطر عليها هذا الطرف حتى لا يُتهم بأنه معه.
ويذهب إلى مدينة يسيطر عليها الطرف الآخر، فيجد نفسه معرضاً للاشتباه والملاحقة لأنه جاء من منطقة يسيطر عليها خصمه.
فأين يذهب المواطن؟
إلى أي وطن؟
إلى أي جهة؟
إلى أي دولة؟
🛑 الخرطوم … مدينة بلا أهل!!
حتى الخرطوم، التي استعادت القوات المسلحة السيطرة على معظم أجزائها، لا تعني استعادة الأرض بالضرورة استعادة الحياة.
أحياء الرياض.
والعمارات.
والمنشية.
وأحياء أخرى من أرقى مناطق العاصمة…
ما تزال أجزاء واسعة منها خالية من سكانها، بعدما هُجّر أهلها، أو غادروا البلاد، أو توزعوا في مدن ودول أخرى.
تُكنس بعض الشوارع الرئيسية.
وتُجمّل بعض الواجهات.
وتُعاد تأهيل بعض المباني السيادية.
وتقام المواكب الرسمية.
ويعود السفراء.
وتعود مراسم الدولة.
ويُعاد افتتاح القصر الجمهوري، وتُقام فيه مراسم استقبال السفراء واعتمادهم.
لكن تأملوا المفارقة:
مواكب رسمية تمر أمام مبانٍ رسمية، بينما خلف المشهد بيوت وعمارات ما تزال خالية من سكانها.
قصر مشيد…
وأحياء كاملة تكاد تكون بلا حياة.
مظاهر دولة تعود…
والمواطن لم يعد بعد.
وهنا لا أملك إلا أن أتذكر قول الله تعالى:
﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾
ما أبلغ القرآن حين يصف حال الأمم التي بقيت فيها القصور…
وغاب عنها أهلها.
وما أقسى أن نرى في السودان اليوم مشاهد تجعل عبارة:
«وبئر معطلة وقصر مشيد»
تتجاوز كونها آية نتلوها…
إلى مشهد نراه بأعيننا.
لكن هذه ليست مأساة الرياض والعمارات والمنشية وحدها.
إنها مأساة السودان كله.
في دارفور.
وفي كردفان.
وفي النيل الأزرق.
وفي الجزيرة.
وفي الخرطوم.
فالأرض قد تنتقل من يد إلى يد…
لكن المواطن لا يشعر بالأمان لمجرد تغير الراية.
لأن المواطن الذي يبقى تحت سيطرة أحد الطرفين قد يصبح في نظر الطرف الآخر خائناً أو متعاوناً.
وهكذا صار المدني في كل مناطق الحرب:
متهماً في كل الأحوال.
فنزح.
ثم نزح مرة أخرى.
ثم نزح ثالثة.
حتى أصبحت خريطة السودان مليئة بأناس يحملون مفاتيح بيوت لم يعودوا يعرفون متى سيعودون إليها😓.
🛑 وهنا نعود إلى السؤال الأول
كيف نظل ننخدع وننزلق هكذا؟!
لأننا سمحنا لدعاة الحرب بأن يختصروا السودان في طرفين:
جيش…
وقوات دعم سريع.
ثم يطلبون منا أن نختار.
ويطلبون منا أن نهتف.
ويطلبون منا أن نكره.
ويطلبون منا أن نفرح عندما يموت خصمنا.
ثم نكتشف بعد سنوات أن الذين هتفنا لهم ليسوا هم السودان.
وأن الذين كرهناهم لم يكونوا ضد السودان.
وأن الوطن الذي ضاع بينهما وتدمر…
كان نحن😔.
لقد آن لنا أن نفهم:
الجيش ليس السودان.
وقوات الدعم السريع ليست السودان.
والحركات المسلحة ليست السودان.
والحركة الإسلامية ليست السودان.
ولا أي قائد عسكري أو سياسي يختصر هذا الوطن العظيم.
🫵السودان هو الإنسان.
هو الدمعة في عين الأم.
وهو الطفل الذي يبحث عن مدرسة.
وهو النازح الذي يبحث عن خيمة.
وهو المريض الذي يبحث عن مستشفى.
وهو الفلاح الذي يريد أن يعود إلى أرضه.
وهو المواطن الذي يريد أن يدخل بيته دون أن يسأله أحد:
أنت مع من؟
🛑 ولهذا… لا بد أن تتغير أسئلتنا
لا تسألوا فقط:
من تقدم؟
ومن تراجع؟
ومن استعاد المدينة؟
ومن فقدها؟
اسألوا:
كم إنساناً مات؟
كم بيتاً تهدم؟
كم قرية أُحرقت؟
كم أسرة تشردت؟
كم طفلاً حُرم من التعليم؟
كم مريضاً مات لأنه لم يجد الدواء؟
كم سودانياً أصبح نازحاً أو لاجئاً؟
وكم عاماً سيحتاج السودان حتى يستعيد عافيته؟
واسألوا السؤال الأصعب:
من الذي صنع هذه الدائرة الجهنمية وحشرنا فيها؟
ومن الذي جعل الميليشيا بديلاً عن الدولة؟
ومن الذي جعل السلاح طريقاً إلى السلطة؟
ومن الذي جعل الولاء السياسي معياراً للعدالة؟
ومن الذي جعل المجرم بطلاً إذا انتقل إلى صفنا؟
ومن الذي جعل الضحية متعاوناً مع العدوّ إذا بقي في منطقة يسيطر عليها خصمنا؟
🛑 كلمة أخيرة
يا أهل السودان…
الحق لا يتغير بتغير الخنادق.
والجريمة لا تصبح بطولة لأن صاحبها أصبح في صفنا.
والدم السوداني لا يصبح أقل حرمة لأن القاتل رفع راية نحبها.
والعدالة لا ينبغي أن تكون لها راية.
العدالة راية واحدة.
والدولة راية واحدة.
والسودان راية واحدة.
فإذا كان الرجل قد ارتكب جريمة…
فليُحاسب.
وإذا كان بريئاً…
فليُبرأ.
وإذا انشق عن معسكره…
فليكن انشقاقه خطوة نحو وقف الحرب، لا سبباً لمحو ماضيه.
وإذا انتصر الجيش…
فليس ذلك رخصة لقتل المدنيين.
وإذا انتصرت قوات الدعم السريع…
فليس ذلك رخصة لقتل المدنيين.
فالمدني ليس غنيمة حرب.
والقرية ليست هدفاً لمجرد أن أهلها ينتمون إلى قبيلة أو منطقة أو جماعة يُشتبه في ولائها.
والوطن ليس غنيمة لمن يملك السلاح.
وهنا تبلغ الحكاية نهايتها:
قد يتغير موسى هلال.
وقد يتغير حميدتي.
وقد يتغير كيكل.
وقد يتغير النور القبة.
وقد تتغير الحركات والتحالفات والرايات.
وقد تتغير الخرائط العسكرية عشرات المرات.
لكن هناك شيء واحد لا يجوز أن يتغير:
🫵حرمة الدم السوداني.
🫵وهناك شيء يجب ألا نسمح لهم بأن يغيروه:
🫵ميزان الحق والعدل.
فإذا أصبح المغتصب و القاتل بطلاً عندنا لأننا نحتاجه…
والمجرم بريئاً لأنه يقاتل خصمنا…
والمواطن متعاوناً لأنه بقي في منطقة يسيطر عليها خصمنا…
والمدينة «محررة» حتي وهي خالية من أهلها…
والقصر الجمهوري مشيداً بينما الوطن خالياً من الشعب…
فماذا بقي من معنى الدولة؟
وماذا بقي من معنى النصر؟
بل…
ماذا بقي من معنى السودان؟
لذلك..
أنا لا أريد لي ولكم أن نكون جمهوراً في مباراة الدم.
ولا أريد أن أصفق لمن يتقدم عسكرياً، بينما يتراجع السودان إنسانياً وأخلاقياً.
🫵أريد سوداناً ينتصر فيه الإنسان.
ينتصر فيه القانون.
وتنتصر فيه العدالة.
وتنتصر فيه الدولة.
وتُصان فيه حرمة الدم.
فيعود النازح إلى بيته.
ويعود الطفل إلى مدرسته.
ويعود الفلاح إلى أرضه.
وتعود الخرطوم إلى أهلها.
وتعود دارفور إلى أهلها.
وتعود كردفان والنيل الأزرق وكل بقعة من السودان إلى أهلها.
🧐🫵عندها فقط…
يمكننا أن نتحدث عن النصر.
أما أن ينتصر طرف…
و
يخسر السودان…
فذلك ليس نصراً.
قد ينتصر الجيش..
وقد تنتصر قوات الدعم السريع..
وقد تتغير الخريطة كلها..
ولكن إذا خسر السودان…
فلا أحد قد إنتصر ‼️.
https://www.facebook.com/share/v/1bfnSj5MYq/
🛑 رغم وضوح التفاصيل: كيف نظلّ ننخدع وننزلق؟ ‼️
قصة قصيرة لمعاناة طويلة ✍️
في السودان، لا تموت الحكايات…
بل تتبدل أسماؤها فقط.
ويتغير الأبطال.
ويتغير الأعداء.
وتتغير الرايات.
أما الدم السوداني…
فيظل هو نفسه.
ولأن الذاكرة السودانية كثيراً ما تُستنزف تحت وطأة الحرب والدعاية والخوف، فإننا نظل نعيش المأساة ذاتها، ثم يُطلب منا في كل مرة أن ننسى الحلقة السابقة، وأن نصدق الرواية الجديدة.
لنعد قليلاً إلى الوراء…
2003 | موسى هلال والجنجويد
عندما اندلعت حرب دارفور، احتاج نظام الإنقاذ إلى قوة تقاتل حركات دارفور المسلحة، فظهر موسى هلال ورجال الجنجويد كأحد أهم أدوات النظام في تلك الحرب.
كانت الرواية الرسمية واضحة:
هؤلاء يدافعون عن الدولة ويحاربون التمرد.
ولكنَّ أهل دارفور عرفوا رواية أخرى أكثر قسوة.
قرى تُحرق.
ومدن وقرى تُهجَّر.
وأسر تفقد أبناءها.
ونساء وأطفال وشيوخ يدفعون ثمن حرب لم يختاروها.
وارتبط اسم موسى هلال تاريخياً باتهامات خطيرة تتعلق بانتهاكات واسعة ارتكبتها قوات الجنجويد في دارفور.
لكن السياسة لا تعرف الوفاء للأدوات.
فحين انتهت الحاجة إلى الرجل…
تغير التصنيف.
2013 – 2017 | حميدتي: الأداة الجديدة
ظهرت قوات الدعم السريع، الخارجة من رحم تجربة الجنجويد، وأصبح حميدتي أحد أهم رجال النظام وأدواته العسكرية.
كبرت القوة.
وتضخمت صلاحياتها.
وأصبحت، شيئاً فشيئاً، قوة عسكرية هائلة تتجاوز حدود وظيفتها الأصلية.
وفي المقابل…
بدأ موسى هلال يخرج من حسابات السلطة.
ثم وقع الصدام.
فالرجل الذي كان بالأمس أداة للنظام أصبح اليوم خصماً له.
وفي عام 2017 هاجمت قوات الدعم السريع معقل موسى هلال في مستريحة، وانتهى الأمر باعتقاله.
تأملوا المشهد:
موسى هلال كان بطلاً عندما احتاجه النظام.
ثم أصبح متمرداً عندما اختلف معه.
وحميدتي كان رجل الدولة عندما احتاجه النظام.
ثم أصبح هو نفسه عدواً عندما تبدلت المعادلة..
🤔فهل تغيرت الحقيقة؟
أم تغيرت فقط حاجة السلطة إلى الرجل؟
2023 | حين انقلب الحليف إلى عدو
جاءت حرب الخامس عشر من أبريل 2023..
وانقلب كل شيء.
حميدتي، الذي كان بالأمس شريكاً في السلطة ورجل الدولة الثاني، أصبح في خطاب قادة الجيش وحلفائه متمرداً وعدواً للدولة.
🫵وفي المقابل، عادت إلى المشهد قوى وحركات دارفورية كان نظام الإنقاذ قد قاتلها لسنوات.
أركو مناوي.
وجبريل إبراهيم.
وآخرون.
بالأمس كانوا «متمردين علي الدولة».
واليوم أصبحوا حلفاء في حرب الدولة ضد حميدتي.
فعاد موسى هلال إلى حسابات الدولة من جديد.
وهكذا أُعيد ترتيب الخنادق.
موسى هلال في حسابات جديدة.
ومناوي وجبريل في معسكر جديد.
وحميدتي في خانة جديدة.
🧐🫵والسؤال الذي يجب أن يطرح نفسه هنا:
هل تغيرت معايير الوطنية؟
أم تغيرت فقط مصلحة السلطة وموازين الحرب؟
أبو عاقلة كيكل… الحلقة الأكثر وضوحاً
كان أبو عاقلة كيكل قد انضم إلى قوات الدعم السريع عند إندلاع الحرب ، ثم عيّنته قيادة الدعم السريع قائداً لقواتها في ولاية الجزيرة، وبسطت عليه نفوذاً واسعاً باعتباره قائداً عسكرياً لقواتها في الولاية.
وهنا تكمن أهمية هذه الواقعة.
فكيكل لم يكن مجرد مقاتل عادي في صفوف الدعم السريع، وإنما كان صاحب قيادة وسلطة عسكرية واسعة على مسرح العمليات في ولاية الجزيرة.
ثم سقطت ولاية الجزيرة في قبضة قوات الدعم السريع، ووقعت خلال فترة سيطرتها انتهاكات ومآسٍ واسعة بحق المدنيين، من قتل ونهب وسلب واغتصاب وتشريد وإتلاف للممتلكات، وتوجهت الأنظار بصورة خاصة إلى مجزرة قرية ود النورة في يونيو 2024، التي قُتل فيها عشرات المدنيين.
ومن هنا فإن كل ما وقع في المناطق الخاضعة لقيادته وسلطة قواته يستوجب تحقيقاً جدياً وشاملاً لتحديد المسؤوليات:
من أصدر الأوامر؟
ومن نفذ؟
ومن علم ولم يمنع؟
ومن شارك؟
ومن تستر؟
ومن يتحمل المسؤولية القيادية عن تلك الجرائم التي ارتكبتها القوات الواقعة تحت إمرة أبو عاقلة كيكل؟
هي أسئلة العدالة.
وليست أسئلة الانتقام.
ثم حدث التحول الكبير…
في أكتوبر 2024، انشق أبو عاقلة كيكل عن قوات الدعم السريع، وانضم إلى الجيش بقواته.
وفجأة… تغير التصنيف لهذا الرجل..
الرجل الذي كان بالأمس قائداً لقوات الدعم السريع في ولاية الجزيرة…
أصبح اليوم قائداً يقاتل إلى جانب الجيش.
فتغيرت اللغة.
وتغير الخطاب.
وتغيرت النظرة إليه..
وهنا يجب أن نتوقف طويلاً:
هل تغيرت حقيقة أفعال كيكل لأن الخندق قد تغير؟
هل يستطيع الانشقاق أن يمحو أوزار الماضي؟
هل تستطيع الراية الجديدة أن تمحو دماء وأعراض أهل ود النورة؟
هل تنتقل المسؤولية عن الجرائم من سجل إلى سجل بمجرد إنتقال صاحبها من معسكر إلى آخر؟
إن العدالة لا تعرف هذه الحسابات.
فمن تثبت إدانته يُحاسب، أياً كان موقعه، وأياً كانت الراية التي يحملها.
ومن تثبت براءته يُبرأ، ولو كان خصماً لنا.
هذه هي الدولة وهذه هي العدالة التي نريدها.
أما أن يصبح الرجل مجرماً حين يقاتلنا ، وبطلاً حين ينشق وينضم إلينا…
فهذه ليست عدالة.
وهذا هو بالضبط الخداع الذي نتحدث عنه.
النور القبة… الحلقة الأخرى
ثم جاء النور القبة.
رجل ارتبط اسمه منذ سنوات بالصراع المسلح في دارفور، ثم أصبح من قيادات قوات الدعم السريع، وارتبط اسمه بمعارك الجزيرة و الفاشر.
الفاشر ليست مجرد مدينة في هذه الحرب.
الفاشر أصبحت عنواناً للحصار والخوف والجوع والموت والانتهاكات.
عاث فساداً وسفكاً للدماء، ثم انشق النور القبة عن قوات الدعم السريع في أبريل 2026، ووصل إلى مناطق سيطرة الجيش.
والأعجب من ذلك:
استقبله قادة الجيش ورُحِّب بانضمامه إلى صفوفهم.
وهنا يعود السؤال نفسه:
هل يتغير الحقّ بتغير الخندق؟🤔
هل يتحول المجرم إلى بطل بمجرد أن يصبح في صفنا؟
هل تصبح الانتهاكات التي كانت بالأمس جريمة مجرد صفحة يمكن طيها اليوم؟
هل الإنشقاق يمحو دماء و دموع الضحايا ويرضي أولياء الدم؟
إن القضية هنا ليست كيكل وحده.
ولا النور القبة وحده.
ولا موسى هلال وحده.
ولا حميدتي وحده.
إننا أمام ظاهرة سياسية وعسكرية وأخلاقية كاملة:
ظاهرة الإنتقائية في صناعة الأبطال…
ثم صناعة الأعداء…
ثم إعادة صناعة الأبطال من الأعداء أنفسهم.
من الذي صنع هذه الدائرة؟
هنا نصل إلى السؤال الأكبر.
من الذي صنع هذه الأدوات؟
من الذي سلّح الجنجويد؟
من الذي استخدمهم في دارفور؟
من الذي نقل وتطور تجربة الجنجويد إلى قوات الدعم السريع؟
من الذي استخدم قوات الدعم السريع؟
ومن الذي جعل الميليشيا جزءاً من بنية الجيش الوطني ؟
ومن الذي بدّل الحلفاء والخصوم بحسب حاجته السياسية والعسكرية؟
🫵إنها منظومة نظام الإنقاذ، والحركة الإسلامية، والمؤتمر الوطني، وشركائهم.
هم الذين فتحوا هذا الباب.
هم الذين جعلوا السلاح بديلاً عن القانون والدستور.
وهم الذين استخدموا الميليشيات في مواجهة الشعب والقوى المدنية.
ثم أصبحت تلك الميليشيات أكبر من أن تبقى مجرد أدوات في يد جماعة الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني..
فخرج السلاح من يد صانعه.
ثم صار الصراع بين الأدوات نفسها.
ثم دخل السودان كله في الجحيم.
وهكذا:
في البداية، استخدموا موسى هلال ضد حركات دارفور المسلحة.
ثم استخدموا حميدتي ضد موسى هلال.
ثم أصبح حميدتي عدواً.
فعادوا إلى موسى هلال..
واستعانوا بمناوي وجبريل.
جاء كيكل..
ثم انشق كيكل.
و جاء النور القبة..
ثم انشق النور القبة.
وفي كل مرة…
يتغير التصنيف.
ولكن هل تتغير الحقيقة؟
🛑 عندما تصبح الحرب مباراة
المأساة لم تعد فقط في الذين يصنعون الحرب..
المأساة أن بعض السودانيين أصبحوا جزءاً من ماكينة الحرب النفسية.
أصبحنا نتعامل مع الحرب وكأنها مباراة كرة قدم.
إذا تقدم الجيش…
فرح قوم.
وإذا تقدمت قوات الدعم السريع…
فرح آخرون.
مدينة سقطت.
ومدينة استُعيدت.
ومنطقة انتقلت من يد إلى أخرى.
والناس تهتف وتصفق وتنتظر النتيجة.
وكأن السودان ملعب، والجيش فريق، وقوات الدعم السريع فريق آخر، ونحن جمهور ينتظر صافرة النهاية!!
لكن الحرب ليست مجرد مباراة.
فإن وراء كل تقدم عسكري:
قتلى.
وجرحى.
ومشردون.
وأسر مكلومة.
وراء كل مدينة تُستعاد:
بيت تهدم.
ومزرعة احترقت.
وطفل فقد أباه.
وراء كل مدينة تسقط:
أسرة جديدة تبحث عن مكان آمن.
فأي انتصار بالله عليكم هذا الذي نحتفل به؟!
🛑 حال السودان الذي لا يراه أطراف الحرب
لعل المشهد الأكثر بلاغة من كل الخطب العسكرية هو الحال التي عليها اغلب مدن وقري السودان .
في أجزاء واسعة من دارفور، وفي جنوب وغرب كردفان، وفي مناطق من النيل الأزرق، لم تعد القرى والمدن أماكن سكنية طبيعية.
المواطن المدني بات محاصر ما بين بندقيتين.
إذا بقي في مكانه، نظر إليه الطرف المسيطر باعتباره متعاوناً مع الطرف الآخر.
وإذا نزح إلى منطقة يسيطر عليها الجيش، قد يُنظر إليه هناك باعتباره متعاوناً مع قوات الدعم السريع.
وإذا ذهب إلى مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع، يحدث العكس.
فأصبح المدني في السودان متهماً لمجرد أنه بقي حياً في المكان الخطأ!
وهكذا لم يعد النزوح دائماً بحثاً عن الطعام والماء والعلاج فقط.
بل أصبح في كثير من الأحيان هروباً من التصنيف.
يهرب الإنسان من قرية يسيطر عليها هذا الطرف حتى لا يُتهم بأنه معه.
ويذهب إلى مدينة يسيطر عليها الطرف الآخر، فيجد نفسه معرضاً للاشتباه والملاحقة لأنه جاء من منطقة يسيطر عليها خصمه.
فأين يذهب المواطن؟
إلى أي وطن؟
إلى أي جهة؟
إلى أي دولة؟
🛑 الخرطوم … مدينة بلا أهل!!
حتى الخرطوم، التي استعادت القوات المسلحة السيطرة على معظم أجزائها، لا تعني استعادة الأرض بالضرورة استعادة الحياة.
أحياء الرياض.
والعمارات.
والمنشية.
وأحياء أخرى من أرقى مناطق العاصمة…
ما تزال أجزاء واسعة منها خالية من سكانها، بعدما هُجّر أهلها، أو غادروا البلاد، أو توزعوا في مدن ودول أخرى.
تُكنس بعض الشوارع الرئيسية.
وتُجمّل بعض الواجهات.
وتُعاد تأهيل بعض المباني السيادية.
وتقام المواكب الرسمية.
ويعود السفراء.
وتعود مراسم الدولة.
ويُعاد افتتاح القصر الجمهوري، وتُقام فيه مراسم استقبال السفراء واعتمادهم.
لكن تأملوا المفارقة:
مواكب رسمية تمر أمام مبانٍ رسمية، بينما خلف المشهد بيوت وعمارات ما تزال خالية من سكانها.
قصر مشيد…
وأحياء كاملة تكاد تكون بلا حياة.
مظاهر دولة تعود…
والمواطن لم يعد بعد.
وهنا لا أملك إلا أن أتذكر قول الله تعالى:
﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾
ما أبلغ القرآن حين يصف حال الأمم التي بقيت فيها القصور…
وغاب عنها أهلها.
وما أقسى أن نرى في السودان اليوم مشاهد تجعل عبارة:
«وبئر معطلة وقصر مشيد»
تتجاوز كونها آية نتلوها…
إلى مشهد نراه بأعيننا.
لكن هذه ليست مأساة الرياض والعمارات والمنشية وحدها.
إنها مأساة السودان كله.
في دارفور.
وفي كردفان.
وفي النيل الأزرق.
وفي الجزيرة.
وفي الخرطوم.
فالأرض قد تنتقل من يد إلى يد…
لكن المواطن لا يشعر بالأمان لمجرد تغير الراية.
لأن المواطن الذي يبقى تحت سيطرة أحد الطرفين قد يصبح في نظر الطرف الآخر خائناً أو متعاوناً.
وهكذا صار المدني في كل مناطق الحرب:
متهماً في كل الأحوال.
فنزح.
ثم نزح مرة أخرى.
ثم نزح ثالثة.
حتى أصبحت خريطة السودان مليئة بأناس يحملون مفاتيح بيوت لم يعودوا يعرفون متى سيعودون إليها😓.
🛑 وهنا نعود إلى السؤال الأول
كيف نظل ننخدع وننزلق هكذا؟!
لأننا سمحنا لدعاة الحرب بأن يختصروا السودان في طرفين:
جيش…
وقوات دعم سريع.
ثم يطلبون منا أن نختار.
ويطلبون منا أن نهتف.
ويطلبون منا أن نكره.
ويطلبون منا أن نفرح عندما يموت خصمنا.
ثم نكتشف بعد سنوات أن الذين هتفنا لهم ليسوا هم السودان.
وأن الذين كرهناهم لم يكونوا ضد السودان.
وأن الوطن الذي ضاع بينهما وتدمر…
كان نحن😔.
لقد آن لنا أن نفهم:
الجيش ليس السودان.
وقوات الدعم السريع ليست السودان.
والحركات المسلحة ليست السودان.
والحركة الإسلامية ليست السودان.
ولا أي قائد عسكري أو سياسي يختصر هذا الوطن العظيم.
🫵السودان هو الإنسان.
هو الدمعة في عين الأم.
وهو الطفل الذي يبحث عن مدرسة.
وهو النازح الذي يبحث عن خيمة.
وهو المريض الذي يبحث عن مستشفى.
وهو الفلاح الذي يريد أن يعود إلى أرضه.
وهو المواطن الذي يريد أن يدخل بيته دون أن يسأله أحد:
أنت مع من؟
🛑 ولهذا… لا بد أن تتغير أسئلتنا
لا تسألوا فقط:
من تقدم؟
ومن تراجع؟
ومن استعاد المدينة؟
ومن فقدها؟
اسألوا:
كم إنساناً مات؟
كم بيتاً تهدم؟
كم قرية أُحرقت؟
كم أسرة تشردت؟
كم طفلاً حُرم من التعليم؟
كم مريضاً مات لأنه لم يجد الدواء؟
كم سودانياً أصبح نازحاً أو لاجئاً؟
وكم عاماً سيحتاج السودان حتى يستعيد عافيته؟
واسألوا السؤال الأصعب:
من الذي صنع هذه الدائرة الجهنمية وحشرنا فيها؟
ومن الذي جعل الميليشيا بديلاً عن الدولة؟
ومن الذي جعل السلاح طريقاً إلى السلطة؟
ومن الذي جعل الولاء السياسي معياراً للعدالة؟
ومن الذي جعل المجرم بطلاً إذا انتقل إلى صفنا؟
ومن الذي جعل الضحية متعاوناً مع العدوّ إذا بقي في منطقة يسيطر عليها خصمنا؟
🛑 كلمة أخيرة
يا أهل السودان…
الحق لا يتغير بتغير الخنادق.
والجريمة لا تصبح بطولة لأن صاحبها أصبح في صفنا.
والدم السوداني لا يصبح أقل حرمة لأن القاتل رفع راية نحبها.
والعدالة لا ينبغي أن تكون لها راية.
العدالة راية واحدة.
والدولة راية واحدة.
والسودان راية واحدة.
فإذا كان الرجل قد ارتكب جريمة…
فليُحاسب.
وإذا كان بريئاً…
فليُبرأ.
وإذا انشق عن معسكره…
فليكن انشقاقه خطوة نحو وقف الحرب، لا سبباً لمحو ماضيه.
وإذا انتصر الجيش…
فليس ذلك رخصة لقتل المدنيين.
وإذا انتصرت قوات الدعم السريع…
فليس ذلك رخصة لقتل المدنيين.
فالمدني ليس غنيمة حرب.
والقرية ليست هدفاً لمجرد أن أهلها ينتمون إلى قبيلة أو منطقة أو جماعة يُشتبه في ولائها.
والوطن ليس غنيمة لمن يملك السلاح.
وهنا تبلغ الحكاية نهايتها:
قد يتغير موسى هلال.
وقد يتغير حميدتي.
وقد يتغير كيكل.
وقد يتغير النور القبة.
وقد تتغير الحركات والتحالفات والرايات.
وقد تتغير الخرائط العسكرية عشرات المرات.
لكن هناك شيء واحد لا يجوز أن يتغير:
🫵حرمة الدم السوداني.
🫵وهناك شيء يجب ألا نسمح لهم بأن يغيروه:
🫵ميزان الحق والعدل.
فإذا أصبح المغتصب و القاتل بطلاً عندنا لأننا نحتاجه…
والمجرم بريئاً لأنه يقاتل خصمنا…
والمواطن متعاوناً لأنه بقي في منطقة يسيطر عليها خصمنا…
والمدينة «محررة» حتي وهي خالية من أهلها…
والقصر الجمهوري مشيداً بينما الوطن خالياً من الشعب…
فماذا بقي من معنى الدولة؟
وماذا بقي من معنى النصر؟
بل…
ماذا بقي من معنى السودان؟
لذلك..
أنا لا أريد لي ولكم أن نكون جمهوراً في مباراة الدم.
ولا أريد أن أصفق لمن يتقدم عسكرياً، بينما يتراجع السودان إنسانياً وأخلاقياً.
🫵أريد سوداناً ينتصر فيه الإنسان.
ينتصر فيه القانون.
وتنتصر فيه العدالة.
وتنتصر فيه الدولة.
وتُصان فيه حرمة الدم.
فيعود النازح إلى بيته.
ويعود الطفل إلى مدرسته.
ويعود الفلاح إلى أرضه.
وتعود الخرطوم إلى أهلها.
وتعود دارفور إلى أهلها.
وتعود كردفان والنيل الأزرق وكل بقعة من السودان إلى أهلها.
🧐🫵عندها فقط…
يمكننا أن نتحدث عن النصر.
أما أن ينتصر طرف…
ويخسر السودان…
فذلك ليس نصراً.
قد ينتصر الجيش..
وقد تنتصر قوات الدعم السريع..
وقد تتغير الخريطة كلها..
ولكن إذا خسر السودان…
فلا أحد قد إنتصر ‼️.



