
بقلم:فاطمة لقاوة
لا تحتاج السعودية إلى كثير من الوقت لتثبت أن «الحياد» الذي تتحدث عنه في الملف السوداني ليس أكثر من قناعٍ دبلوماسي قابل للسقوط عند أول صفقة، فالإعلام السعودي، عبر «العربية»، يخرج علينا بخبر إنسلاخ حمد محمد حامد، حاكم كردفان المنصّب من قبل حكومة السلام”تحالف التأسيس”، وكأن الرياض إكتشفت فجأة أن شراء الذمم يمكن أن يُقدَّم للرأي العام بإعتباره «إنتصاراً سياسياً»،يا لها من بطولة!.
تتحدث السعودية عن السلام، ثم تفرح بإنشقاق هنا أو إنسلاخ هناك، وكأن السودان سوقٌ مفتوح للنخاسة السياسية، وكأن الرجال والقبائل والمواقف تُقاس بسعر الريال.
المشكلة ليست في أن يغادر شخص موقعه؛ فالسياسة بطبيعتها تعرف الخلاف والإختلاف، وإنما المشكلة في تحويل الإنسلاخات الفردية إلى إنتصارات إعلامية، ثم بيع الوهم للرأي العام على أنه تغيير في موازين القوى.
إذا كانت الرياض تظن أن المال قادر على شراءالمواقف
، فعليها أن تعيد قراءة تاريخ هذه الحرب جيداً، فالذي يُشترى بالمال يُباع عند أول مزاد، أما الموقف الذي يولد من قناعة فلا تحدده خزائن النفط ولا شاشات الفضائيات.
كانت جدة تُقدَّم للعالم بإعتبارها منصة للسلام وإنهاء الحرب، لكن المفارقة أن بعض ما يخرج من ماكينة الإعلام السعودي اليوم يبدو أقرب إلى الإحتفال بتفكيك الصفوف منه إلى البحث عن تسوية تحفظ السودان وأهله، وهنا يحق للسودانيين أن يسألوا: هل تغيّر تعريف الوساطة؟هل أصبح نجاح الوسيط يُقاس بعدد المنشقين الذين يستطيع تقديمهم على الشاشة؟ وهل صار السلام مشروعاً لإعادة ترتيب الولاءات وشراء السياسيين بدلاً من معالجة جذور الحرب ومخاطبة أصحاب المصلحة الحقيقيين؟إذا كان هذا هو الرهان، فالسعودية تراهن على الحصان الخطأ و قد اصبحت من «وسيط سلام» إلى لاعب في سوق الأشقاقات للأسف، أما «كبيش ترمة»، فهذه قصة أخرى!
حمد محمد حامد، فإن مغادرتة لصف التأسيس لا تمنحه تلقائياً صفة البطل ولا تجعل منه رقماً حاسماً في معادلة الحرب.
الرجل إختار طريقه، وله أن يتحمل مسؤوليته السياسية والأخلاقية أمام أهله وتاريخه، لكن تحويله إلى «فتح مبين» على يد الإعلام السعودي لا يغير شيئاً من حقيقة أن الإنشقاق الفردي لا يهزم مشروعاً، كما أن التصفيق الإعلامي لا يصنع شرعية.
إذا كانت الرياض سعيدة بما إشترته سياسياً، فلتحتفظ به جيداً؛ فالمثل الشعبي السوداني أكثر دقة من كل غرف العمليات الإعلامية:«كبيش ترمة.. كان باعوه ما ماحي الصُّرمة، وكان ضبحوه ما بملا البُرمة!»
وهنا تحديداً تكمن السخرية: السعودية التي تمتلك كل هذه الإمكانات السياسية والإقتصادية والإعلامية،إنتهى بها الأمر إلى الإحتفال بـ«كبيش ترمة» وكأنها إشترت مفتاح السودان!
يا للصفقة العظيمة!
السودان ليس مزاداً والرجال ليسوا بضاعة، المشكلة الحقيقية ليست في السعودية وحدها، وإنما في الإعتقاد بأن السودان يمكن أن يُدار من غرف الفنادق، وأن إرادة السودانيين يمكن إختصارها في مؤتمر صحفي أو بيان أو خبر عاجل، السودان أكبر من ذلك بكثير.
الذين يراهنون على شراء الأشخاص لتغيير إتجاه التاريخ سيكتشفون عاجلاً أم آجلاً أن المال قد يشتري توقيعاً، لكنه لا يشتري التاريخ؛ وقد يشتري رجلاً، لكنه لا يشتري شعباً، فلتحتفل «العربية» بإنتصارها الإعلامي، ولتضع الرياض ما اشترته في واجهة متجرها السياسي، ولتسمِّ الصفقة ما تشاء: إنسلاخاً، إنشقاقاً، إنتصاراً أو إختراقاً،أما الميدان، فله حساب آخر.
قد تكتشف السعودية في نهاية المطاف أن ما ظنته «غنيمة سياسية» لم يكن أكثر من «كبيش ترمة»؛ لا يغيّر ميزاناً، ولا يصنع نصراً، ولا يشتري مستقبلاً، فالسياسة عندما تتحول إلى سوق نخاسة، يكون أول الخاسرين فيها من يظن أنه يستطيع شراء السودان بالريال.
ولنا عودة بإذن الله



