الأعمدة

من أين أتى هؤلاء؟: في تشريح ثلاثين عاماً من الاستبداد باسم الدين

بقلم/ إيهاب الأمين
سؤال واحد بسيط طرحه الأديب الراحل الطيب صالح بدهشة المفجوع وحسرة العارف يكفي لأن يزلزل أركان مشروعٍ بأكمله (من أين أتى هؤلاء؟).. سؤال لم يكن استفساراً أكاديمياً، بل كان صرخة مدوية في وجه واقع سوداني مر حين استيقظ السودانيون ذات صباحٍ من عام 1989 ليجدوا أن بلدهم قد اختُطف وأن مجموعة من الرجال المجهولين لدى عامة الناس قد استولت على السلطة وقررت أن تعيد تشكيل الوطن والإنسان والتاريخ وفق رؤيتها هي وحدها لا شريك لها في السماء ولا في الأرض.
لنبدأ بالحقيقة الكبرى التي يجب أن تُقال بصوتٍ عالٍ لا لبس فيهالإسلام بريءٌ من الكيزان، بريء من كل دم اراقوه ومن كل ثروة نهبوها ومن كل أرض أُحرقوها، ومن كل إنسان عذبوه بالتجويع أو بالظلم أو في بيوت الأشباح، الإسلام برئ من كل لاجئ شُرِّد، ومن كل طفل مات جوعاً في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، الإسلام الذي جاء رحمةً للعالمين لم يأمر يوماً بحكمٍ يقوم على الإقصاء والتكفير ونهب المال العام وتجويع الشعوب.
لكن هؤلاء القوم اتخذوا من الدين ستاراً، ومن الشعارات الإسلامية مطيةً، ومن المساجد منابرَ للتعبئة السياسية، ومن الفتاوى أدوات لتبرير الاستبداد، حوّلوا الدين الحنيف إلى أيديولوجيا سلطوية لا تختلف في جوهرها عن أشد الأنظمة الشمولية قسوة في التاريخ الحديث، سوى أنها أضافت إلى القمع طابعاً قدسياً زائفاً جعل من معارضة الحاكم معارضةً لله نفسه — وهو الكفر الأكبر بعينه، وإن ادّعوا غير ذلك.
من أخطر ما أنتجته عقلية الحركة الإسلامية في السودان ذلك الوهم الخطير بأنهم وكلاء الله على الأرض، وأن بيدهم مفاتيح الجنة وصكوك الغفران يوزعونها على من شاؤوا ويمنعونها عمن شاؤوا. فمن بايعهم كان من أهل الفردوس ومن عارضهم كان كافراً وعميلاً وخائناً ومُرتداً يستحق القتل.
هذه العقلية التكفيرية لم تكن مجرد خطاب ديني متطرف، بل كانت آلية حكمٍ ممنهجة، فالتكفير كان الأداة المثلى لإسكات كل صوتٍ معارض، تكفير الصحفيين الشرفاء، والمحامين الشرفاء، والطلاب، والناشطين الشرفاء، والأطباء،وحتى الشيوخ الذي يرفضون تسييس الدين يقومون بتكفيرهم، وهكذا أصبح الوطن كله فُسيفساء من الكفار في نظر حفنة من الأشخاص الذين لا يملكون من الإسلام سوى قشوره الظاهرة وجلبابهم المميز.
دعونا نتحدث بالأرقام والحقائق لا بالعواطف، ثلاثون عاماً من الحكم الكيزاني أنتجت انفصال جنوب السودان وفقدان ثلاثة أرباع الثروة النفطية، وأنتجت إبادة جماعية في دارفور راح ضحيتها مئات الآلاف وشُرِّد بسببها الملايين. وأنتجت حروباً لا تنتهي في جنوب كردفان والنيل الأزرق، وأنتجت اقتصاداً منهاراً وتضخماً جنونياً وبلداً كان يُعدُّ سلة غذاء العالم العربي أصبح يستجدي المعونات. وأنتجت جيلاً كاملاً حرم من التعليم الجيد والرعاية الصحية والكرامة الإنسانية.
كل هذا باسم التمكين، وهو المصطلح الكيزاني الذي يعني في حقيقته تمكين أنفسهم من رقاب الناس وأموالهم وأرزاقهم، بينما الشعب يغرق في الفقر والجهل والمرض.
ولعل أفظع ما في التجربة الكيزانية هو ذلك النهب المنظم الممنهج لثروات البلاد، لقد حوّلوا الدولة السودانية إلى إقطاعية خاصة يتقاسم فيها قادة الحركة الإسلامية الغنائم كما يتقاسم الغزاة غنائم الحرب من أراضي زراعية والمشاريع الكبرى والبنوك وشركات الاتصالات وعقود النفط والذهب، كل شيء ذهب إلى جيوبهم وحساباتهم في الخارج بينما المواطن السوداني العادي يكافح من أجل لقمة العيش ويتضوّر جوعاً.
والمفارقة المُرة أنهم فعلوا كل هذا وهم يرفعون المصاحف ويهتفون بشعارات الزهد والتقوى.
إن أعظم جريمةٍ ارتكبها الكيزان في حق السودان ليست سرقة ثرواته ولا تفتيت نسيجه الاجتماعي ولا إشعال حروبه فحسب بل هي الإساءة البالغة للإسلام نفسه، لقد قدّموا للعالم صورةً مشوّهةً عن الدين الحنيف جعلت الكثيرين يربطون بين الإسلام والاستبداد والفساد والعنف. لقد أساؤوا إلى الإسلام أكثر مما أساء إليه أعداؤه لأن العدو يُتوقَّع منه العداء، أما أن يأتي الفساد والظلم والتكفير من أناس يدّعون أنهم حُماة الدين فتلك هي الطامة الكبرى.
كم من شاب سوداني ارتدّ عن الدين بسبب ممارساتهم؟ وكم من إنسان في العالم نظر إلى تجربتهم فحكم على الإسلام كله من خلال فسادهم؟ هذا هو الإرث الحقيقي للكيزان تشويه للدين لا يمحوه الزمن.
يعود سؤال الطيب صالح ليتردد في الآذان (من أين أتى هؤلاء؟)..
أتوا من تنظيم فاسد تغلغل في مؤسسات الدولة عقوداً قبل الانقلاب، أتوا من تحالف مشبوه بين الطموح السلطوي والتفسير الانتقائي للنصوص الدينية. أتوا من بيئة سياسية سودانية مريضة سمحت للعسكريين الإسلاميين وكل الكيزان أن يقوموا بتدمير البلاد. أتوا من فراغ فكري وغياب للوعي النقدي.
لكن السؤال الأهم اليوم ليس من أين أتوا، بل هل ذهبوا فعلاً أم أنهم لا يزالون يتربصون ينتظرون اللحظة المناسبة للعودة بذات الشعارات وذات الأساليب وذات الوجوه أو بوجوه جديدة تحمل العقلية نفسها؟. إن ما نعرفه الآن أن عناصرهم عادت إلى معظم المناصب التي كانوا فيها قبل الثورة وعناصر أخرى منهم نالت مناصب أخرى من بينها وزارات.
إن الدرس الذي يجب أن يستوعبه السودانيون — بل والعالم الإسلامي كله — هو أن الدين أعظم من أن يُختزل في حزب وأجلّ من أن يُستغل في سلطة وأطهر من أن يتلوث بدماء الأبرياء وأموال اليتامى.
والإسلام الحقيقي هو إسلام العدل والرحمة والحرية والكرامة لا إسلام التمكين والتكفير والنهب والاستبداد.
رحم الله الأديب الأستاذ الطيب صالح فقد سأل السؤال الصحيح في الوقت الصحيح، واليوم بعد كل هذا الخراب لم يعد السؤال من أين أتوا، بل أصبح (متى نتحرر من إرثهم نهائياً؟)
والله من وراء القصد

زر الذهاب إلى الأعلى