الأعمدة

تأثير سُلطة الجمال الانثوي على سُلطة المُقَدَّس في اشعار أغاني الحقيبة

بقلم: – إسماعيل السيد أحمد
الجزء الأول
تستحوذ كل من سلطتي الجمال و المُقَدَّس “السلطة الدينية “على وعي ووجدان العديد من المجتمعات، ولذا تتمتعان بالقدرة الفائقة على تشكيل سلوكها ووجدانها، بيد انها يختلفان من حيث طبيعة التأثير عليها ومصادر قبول المشروعية لكل منهما فيها، الأمر الذي جعل الشعر الغنائي -بصورة عامة- ينال حظاً وافراً منهما.
يحاول هذا المقال استكشاف مدى قدرة الجمال الأنثوي على اختراق حواجز السُلطة الدينية وممارسة تأثيره على رجال الدين، بوصفهم ممثلي المُقدّس في كثير من المجتمعات، وذلك من خلال تتبُّع وصف محاسن المحبوبة في اشعار أغاني الحقيبة -كنموذج للشعر الغنائي-، والكشف عن الكيفية التي يتحول بها الجمال من مجرد موضوع غزلي إلى قوة رمزية تنازع الخطاب الديني سُلطته على المستويين السلوكي والوجداني.
يكشف الشاعر/ محمد ود الرضي في قصيدته “حبابو للكدر زايل” عن مفارقة شعرية تجمع بين سلطة جمال محبوبته المتمثلة في تصوير روعة مشيتها التي تشابه مرور السحاب <> وبين ما حظيت به من رقة ووداعة تضارع الجدي الصغير <> هذا من جانب، ومدى تأثير سطوة جمالها على <> والذي -وقتها- يمثل السلطة الدينية في المجتمع، وكذلك مقدرتها على الاستحواذ على عقله الذي يمثل أهم مراكز القوة في السلطة الدينية <>. وقدرة تأثير جمالها على احداث خلل في الاتزان النفسي والمعرفي لممثل السلطة الدينية “الفكي”، وذلك جراء استيلائها على تفكيره واستحواذها على إدراكه <>، وبذلك تكون سلطة الجمال قد تغلبت -شعرياً- على ممثل السلطة الدينية نفسه.
تسو مرا السحاب بين** تريك نوم الجدي اللين
تشيل قلب الفكي الدين ** ويصبح فكره مطين
يستحضر الشاعر/ عمر البنا في قصيدته “في الطيف أو في الصحيان” شخصية <> بوصفها نموذجاً للزهد والتقشف المناهضين لمغريات الحياة بوجه عام ومفاتن الغرام بشكل أخص، بيد أن سُلطة جمال المحبوبة بقوتها الناعمة كفيلة بزعزعة تماسكه الروحي، كما أنها قادرة على إخضاع إرادته، على الرغم من قدرته من -الناحية الافتراضية- على مقاومة مغريات الجمال، وصموده في وجه غواية العشق. الا أن سطوة جمالها الانثوي كان لها سبق الانتصار في تطويع إرادة الناسك والاستحواذ على وجدانه وتجريده من نوازع التقشف.
لو راك الناس المن الله جبان** بيك يفتن ويصبح بالغرام تعبان
يفصح الشاعر/ محمد ود الرضي في قصيدته <> والتي مطلعها ” نسايم الليل روحي كلمي ” عن أثر الجمال الحسي للمحبوبة في زعزعة وقار رجال الدين، والاخلال باتزانهم الروحي <>، وإظهار مدى استغراقهم في مفاتن المحبوبة المتمثلة في كتفها الهادل، الذي ينم عن لدانة ورشاقة قوام المحبوبة<>. يكشف الشاعر عن مفارقة دلالية بين سلطة الجمال الحسي للمحبوبة وسلطة التدين لمنْ يمثلونه، حيث اسفرت المفارقة عن نكوص سلطة التدين أمام سطوة الجمال.
الكتيف ستي اهدلي** جارد السبحة بهدلي
في سياق جدلية هيمنة سلطة الجمال على الدين – المفترضة- يستدعى الشاعر/ سيد عبد العزيز في قصيدته “يا مداعب الغصن الرطيب” هيبة المُقدس مستحضراً معه إيحاءات الخشوع والوقار <> واستعظامهما بهيبة وقداسة أعياد المسيح <>، وعلى الرغم من قداسة اليوم وما زانته من طقوس دينية، الا أن سلطة جمال المحبوبة بقوته الاستلابية تجاوزت جلال الحضور الروحي والسمو الوجداني، واحالت المحفل الديني إلى فضاء تجلت فيه آثار محاسن المحبوبة.
ترتيل أناشيد الحبور** فتيانا يوم عيد الصليب
وفي قصيدة “نادت منادي قلوبنا صاح” التي الفها الشاعر/ محمد ود الرضي استحضر الشاعر في الابيات التالية جمال وجه المحبوبة واشراقه، وانسدال شعرها الفاحم المزين ب “جدلات” الحرير، وعذوبة صوت حُليّها “الذهب” الذي يشبه في نداوته ترتيل آيات القران الكريم
بقت قمر.. كشفت بهيم ** رمت جدل.. زوزت بهيم
رتلت تبر.. سطلت مهيم
وتبلغ سطوة جمال المحبوبة ذروتها في قوله: <<بدّلت وَرِع.. بلّدت فهيم"، حيث يقيم الشاعر مفارقة بين الورع كحصانة أخلاقية في مواجهة دواعي الهوى للشخص المتدين، والافتتان الجمالي الذي يحيل الشخص الورع من حالة الانضباط القيمي إلى حالة الاستغراق في الفتنة. بقوله:
بدّلت وَرِع.. بلّدت فهيم
ما نود الإشارة إليه، بأن هذا المقال لا يهدف إلى تصوير ما تم تناوله فيه على أنه صراع بين سلطة الدين والجمال، بل يعكس توظيف الشعراء لهيبة رجال الدين لإبراز قوة جمال المحبوبة، وذلك من خلال الكشف عن التنازع العاطفي بين الالتزام الأخلاقي والانجذاب الوجداني.
من خلال اطلاعنا على العديد من اشعار الحقيبة، أتضح إلينا بأن الشاعر/ محمد ود الرضي من أكثر شعراء الحقيبة تناولاً لجدلية سلطة الجمال الانثوي للمرأة في مواجه سلطة المقدس، حيث تناولها فيما لا يقل عن 10 قصائد، إذ لا يتسع المجال لذكرها وتحليلها في هذا المقال. ولعل ذلك في تقديرنا يرجع إلى البيئة التي نشأ وترعرع فيها الشاعر، وهي دون شك بيئة غنية بالتصوف حيث خلاوي السادة القادرية: الشيخ إدريس بن محمد الأرباب، الشيخ المقابلي، والشيخ محمد ود الإزيرق (الطريقة السمانية)، الشيخ إدريس (الغرقان) الجبلابي. هذا بالإضافة إلى تعليمه الديني في تلك المنطقة.

زر الذهاب إلى الأعلى