
عبد الكريم البليخ
ليس كلُّ من أمسك قلماً صار أديباً، ولا كلُّ من نشر مقالاً أو خاطرة على موقع إلكتروني استحق أن يتقدّم إلى الناس بصفة «الكاتب». فالثقافة ليست لقباً يُشترى من مطبعة، ولا بطاقة وجاهة تُكتسب بحفل توقيع وصورة على منصة، ولا سلّماً اجتماعياً قصيراً يقفز به المرء من الهامش إلى الصفوف الأولى.
ومع ذلك، امتلأ المشهد الثقافي في السنوات الأخيرة بأسماء استعجلت الوصول قبل أن تبدأ الرحلة أصلاً. بعضهم نشر مقالاً أو مقالين، وآخر جمع خواطره المتناثرة على مواقع التواصل، ثم هرع إلى دار نشر معتقداً أن الغلاف وحده كفيل بمنحه شرعية الكاتب، وأن بضعة مجاملات وتعليقات من الأصدقاء تكفي لصناعة تجربة أدبية.
والمفارقة أن بعض هؤلاء لا يقرأ إلّا قليلاً، ولا يُراجع ما يكتب، ولا يحتمل نقداً، لكنه شديد الحرص على صور الندوات، وأخبار حفلات التوقيع، والألقاب التي تسبق اسمه. هنا تتحول الكتابة من فعل معرفي إلى استعراض، ومن رسالة إلى رغبة في الظهور، ويصبح الكتاب أحياناً مجرد بطاقة تعريف فاخرة يحملها صاحبه ليثبت للآخرين أنّه ينتمي إلى «طبقة المثقفين».
ولو تأمّل هؤلاء سِيَر الكبار قليلاً لأدركوا قسوة الطريق. طه حسين، العقاد، نجيب محفوظ، إحسان عباس، رجاء النقاش، عبد السلام العجيلي، حنا مينه، زكريا تامر، خليل صويلح وغيرهم وغيرهم كثير لم يصنعوا أسماءَهم من منشور عابر أو مجاملة عابرة. سنوات من القراءة، والسهر، والبحث، والشك، وإعادة النظر، وقلق الأسئلة، صنعت تلك التجارب. كانوا يكتبون لأنهم لا يستطيعون ألا يكتبوا، لا لأنهم يريدون صورةً جديدة أو لقباً إضافياً.
لقد دفع الكبار من أعمارهم ثمناً للكلمة. أرهقوا عيونهم بين الكتب، وأنفقوا أموالهم على المعرفة، وكتبوا صفحات ثم مزقوها، وأعادوا بناء أفكارهم عشرات المرات. لذلك لم تكن الشهرة عندهم هي الغاية، بل جاءت، إن جاءت، نتيجةً طبيعية لقيمة ما أنجزوه.
أما اليوم، فقد قلب بعضهم المعادلة: يريد الشهرة أولاً، والكتابة لاحقاً.
وزادت وسائل التواصل الاجتماعي الطين بلّة. فهي تمنح الإنسان تصفيقاً سريعاً، وأرقاماً برّاقة، وتعليقات غالباً ما تحكمها الصداقة والمجاملة أكثر ما تحكمها القيمة. فيتوهم بعضهم أن مئات الإعجابات شهادة أدبية، وأن كثرة المتابعين تعادل موهبة حقيقية. غير أن الأدب ليس مسابقة شعبية، ولا تُقاس قيمته بعدد القلوب الزرقاء والحمراء تحت المنشور.
ولا يعني هذا أن نغلق الأبواب في وجه المبتدئين أو نسخر من محاولاتهم؛ فكل تجربة عظيمة بدأت بخطوة صغيرة. لكن الفرق كبير بين مبتدئ يعرف أنه يتعلم، وآخر يتصرف منذ أول نص وكأنه بلغ القمّة. الأول جدير بالاحترام لأنه يسعى، أما الثاني فيحتاج قبل التصفيق إلى مرآة.
الكاتب الحقيقي لا يصنعه الغلاف، ولا الميكروفون، ولا مقعد في ندوة، ولا صورة إلى جانب شخصية ثقافية معروفة. الكاتب تصنعه المعرفة، واللغة، والتجربة، والصدق، والقدرة على إضافة معنى جديد إلى هذا العالم المزدحم بالكلام.
والثقافة، في النهاية، لا تحتاج إلى مزيد من المدّعين، بل إلى أصحاب أصوات حقيقية. فالزمن قاسٍ وعادل في آنٍ واحد: يمحو الأسماء التي صنعتها المجاملات، ويُبقي ما يستحق البقاء.
وبين من يريد أن يكون كاتباً ومن يريد فقط أن يُقال عنه كاتب هوّة لا يردمها كتاب مطبوع، ولا أمسية، ولا ألف صورة.
فالشهرة قد تصنع اسماً لوقتٍ قصير، لكنها لا تصنع أدباً. أما الأدب الحقيقي، فهو الذي يبقى حين يسكت التصفيق، وتنطفئ الأضواء، وتُنسى الصور، ولا يبقى أمام القارئ سوى النص.
وهناك تحديداً… يسقط الوهم، ويبدأ الحكم الحقيقي.



