
كتب: راشد عبد القادر
كان أردول، في وقت من الأوقات، مربوطًا ومعصوب العينين على ظهر لاندكروزر، ثم أُلقي داخل طائرة شحن متجهة إلى جوبا كأنه شوال حطب. وعاد مع الثورة والثوار موظفًا يقاتل من أجل ألفي دولار.
وكان التوم هجو شخصًا ساكتًا في المنافي، فعادت به الثورة إلى الخرطوم شخصًا ساكتًا، لكنه أصبح حاضرًا ومؤثرًا في المشهد.
وكان الدكتور جبريل في باريس، وكنتُ أنا في الطريق إلى مكة، أقف محاذيًا للافتة «أسماك الدانة» في الاتجاه المعاكس، بينما كان هو قد خرج مهزومًا من قوز دنقو، وقد تبعثرت قواته، ثم قضت قوات ريك مشار على ما تبقى منها في ديم زبير.
كنت أتحدث معه، ويأتيني صوته كسيرًا، وكنت أناقشه في إمكانية أن يكسب الموقف الإنساني بإعادة بعض الأسرى، وقد كان.
كان مهزومًا وفاقدًا لكل شيء، فعادت به الثورة والثوار وزيرًا.
وأعادوا مناوي من ليبيا، ووضعوا النجوم على أكتاف بعض العسكريين، فرفعوا رؤوسًا ظلت محنية طويلًا تحت سلطة البشير، وجعلوا منهم قادة وجنرالات، وأطلقوا أصواتًا اعتادت أن تقول: «حاضر سعادتك»، وأن تقف في صف السلطة وتلعق أحذية سادة المؤتمر الوطني.
الثورة أعطت المهزومين انتصارًا، والمطاردين وطنًا، والتافهين قيمة.
وعبرت بهم البحر إلى الضفة الأخرى، لكن ما إن استقروا حتى بدأ بعضهم يطلب طاغية جديدًا، ودكتاتورًا يسبحون بحمده، وصنمًا جديدًا للعبادة.
وهكذا عادت العبارات نفسها، والموت نفسه، والهذيان نفسه.
وعاد الجنرالات إلى إطلاق الروايات ذاتها:
> «لم ندرِ من أطلق الرصاص».
> «نحن حريصون على حق التعبير السلمي، ولكن الثورة انحرفت عن سلميتها».
> «لدينا عسكري أصيب برصاصة، ولا ندري من أين أتت».
ذات الأكاذيب.
ذات التبريرات.
وذات محاولات الإفلات من المسؤولية.
وعادت إلى الذاكرة قصة «فتاة الشنطة»، وقصة «الفول البايظ» في قضية مقتل أحمد الخير، بينما كانت تفاصيل التعذيب والاعتداءات التي سبقت موته حاضرة في الذاكرة السودانية.
لماذا لا يفهمون أن السير في المسار ذاته يقود في النهاية إلى النتيجة ذاتها؟
كان البشير يظن أنه سيبقى إلى الأبد.
واليوم يظن كلاب البشير أنهم هم أيضًا باقون إلى الأبد.
يا له من وهم!
يحلمون بالأبد في وطن أصبحت فيه حياة شبابه العادية جدًا هي الثورة.
صوتكم أينما كنتم …والحقيقة أولاً



