

منذ ستينيات القرن الماضي كانت وظلت مناطق غرب البلاد ومنها كردفان ترفد مسارح و إذاعة وتلفزيون العاصمة لاحقا والبلاد كلها وعبر فرق فنونها بكل ما هو مدهش في إصالته و مميزا في طعمه الفني المتنوع بشتى ألوانه الزاهية غناء و رقصا شعبيا تراثيا مؤصلا .
وكان لها القدح المعلى في المشاركة اللافتة والتي كان رائدها على سبيل المثال الاستاذ الموسيقي الراحل جمعة جابر و جوقته الموسيقية و حمائم الرقصات الشعبية الرزينة في تلك الفترة الخصبة بنهضة الفنون .
فبرزت مثلا لا حصرا نون نسوتها متمثلةةفي الشابتين الراحلين فاطمة عيسي وام بلينة السنوسي كثنائي في مقتبل العمر وقتذاك ولكنهما خلبتا الباب المستمعين بصوتهما الذي ينازع الموسيقى في رقته .
ومن ثم تبعهما في مرحلة لاحقة الرباعي الرهيب ..المكون من..
عبد القادر سالم
ابراهيم موسى أبا..
وصديق عباس..
وعبد الرحمن عبدالله..
وقد أضافوا إلى الساحة القا متمثلا في الكلمة الرصينة التي تعكس ثقافة الغرب في قالب موسيقي متطور ومتفرد .
رحل أبا وصديق وعبد الرحمن بعد رحلة مفعمة بالعطاء الثر ..عليهم الرحمة والمغفرة .
واليوم يترجل اخر ذلك الرباعي المدهش ..الدكتور عبد القادر سالم الذي استطاع بفنه وعلمه وتشبعه بالقيم التراثية التي تجاوز بها إقليم الغرب منداحا في كل زوايا الوطن ..فجعل من الفن سفارة جاب من خلال دبلوماسييها الراقية المفاهيم مختلف جهات الدنيا معرفا بأصالة التراث السوداني في ثوب قشيب جاذب .
فضلا عن كل ذلك كان عبد القادر عضوا و قياديا في اتحاد المهن الموسيقية تخطى بأخلاقه العالية وسلوكه القويم دور الفنان أو النقيب في حد ذاتهما لأكثر من دورة فأصبح أبا روحيا يضطلع بمسئؤليات جسيمة حتى خارج إطار المسائل الفنية ..فأصبح حاديا يقود الاعضاء تجاه المجاملات في الافراح والأتراح لترسيخ قيم التواصل في تلك المناسبات حتى تجاه من هم لا يهتمون كثيرا بمثل تلك الحالات من أبناء قبيلة الفنون ..فكان عبد القادر داعيا للتسامح و تكريس مبدأ الإخاء دون الأخذ بتقصير البعض ..فقربهم إلى الركب تأصيلا لفرضية أن الفن رسالة اجتماعية لها تأثيرها في وجدان الناس بمختلف اذواقهم وفئاتهم.
وبغياب هذا الهرم الخلوق يترك فراغا يخلق تحديا ليس في اتحاد المهن الموسيقية فحسب بل في كل فضاءات الساحة الفنية يتطلب أن يسير كل القائمون على شأن ذلك المرفق الحيوي في ذات الدرب الذي خطه وسلكه عبد القادر كنهج قويم لتنقية الوسط الفني من هجمات الإسفاف وانتكسات التردي ..وهذا بالطبع يزيد من تلك الحمولة الثقيلة فوق أكتاف الحادبين على المحافظة على الذي كان يؤمن به عبد القادر وعاش من أجله وسعى جاهدا في الداخل والخارج لايصاله في احترام واجلال ..حتى ترجل عنه اليوم مأسوفا على رحيله المر و الفن في أشد الحاجة لصوت وجهد هذا الرجل الفاضل .
والعزاء في فقده الجلل للوطن كله ولساحات الفنون قاطية الحزينة لغيابه .. ولأسرته المكلومة و اهله ومعجبيه ومحبيه في كل مكان.
وانا لله وانا اليه راجعون.



