
ادم دلدوم
أيها السادة، إن معاناة السودانيين في مصر ليست مجرد قصص فردية، بل هي مأساة إنسانية تواجهها أجيال من أبناء الوطن الذين اضطروا للهجرة قسرًا، بعدما دمرتهم الحرب والدمار في بلادهم، وأصبحوا لا يملكون غير الأمل في حياة كريمة وآمنة. ونحن هنا لا ننسى حسن المعاملة والاستقبال الطيب من قبل الأشقاء في مصر، الذين استضافوا آلاف السودانيين، وفتحوا لهم قلوبهم وبيوتهم، وكانوا لهم خير عون وسند في أوقات الشدة. فشكرًا لهم على حسن الاستضافة والطيبة والعشرة الطيبة، فهم لطالما كانوا خير إخوة وأشقاء.
لكن، مع هذا كله، لا يمكن أن نغض الطرف عن مسؤولية الحكومة السودانية التي لم تتخذ الإجراءات الكافية لحماية مواطنيها، ولم توفر لهم سبل العيش الكريم، ولا وسائل الحماية من الظلم والاستبداد، بل أصبحت مسؤولة بشكل رئيسي عن معاناة الكثيرين، خاصة في ظل السياسات القمعية والقرارات الجائرة التي تُفرض على أبناء الوطن في الخارج، وتُهدد حياتهم ومستقبلهم.
وفي ذات الوقت، نؤكد أنه من المستحيل أن تتخذ الحكومة المصرية أي إجراء من شأنه أن يؤثر على المواطنين السودانيين المقيمين على أراضيها، إلا بعد تنسيق وتفاهم كامل مع الحكومة السودانية، وأن أي قرار أو إجراء يتم بوعي تام، ومع علم كامل من قبل السلطات المختصة في البلدين، وأنه لا يمكن أن يُتخذ أي تصرف يؤثر على حياة هؤلاء المواطنين دون موافقة وتنسيق مسبق.
كما نود أن نلفت الانتباه إلى أن السفارة السودانية في مصر، وحتى لحظة كتابة هذا الكلام، لم تصدر أي بيان واحد يدين هذه الممارسات، أو يطالب بحماية المواطنين، وهو أمر يثير الكثير من التساؤلات ويزيد من ألم ومعاناة أبناء الوطن في الخارج.
الشعب السوداني لم يختر الحرب، ولم يأتِ إلى الخارج طمعًا، بل فرضت عليه الظروف القاهرة أن يترك وطنه، ويبدأ حياة جديدة، لكن المفاجأة أن الحكومات المتعاقبة، خاصة في مصر، لا تتعامل معه إلا كأنه مجرم، أو غريب يجب إعادته قسرًا، بغض النظر عن ظروفه الصحية أو الأسرية أو الإنسانية. يتم ترحيله بشكل تعسفي، يترك خلفه عائلته وأطفاله، ويُحتجز، ويُسجن، أو يُقتل دون محاكمة عادلة، فقط لأنه لم يغادر منزله، أو لأنه حاول أن يعيش بكرامته.
هل يُعقل أن تُفرض عليه العودة القسرية رغم أن الحرب لا تزال مستمرة، وأن أهل غرب السودان يعانون من الدمار والشتات، وأن الكثير منهم لا يزالون نازحين أو لاجئين في مصر، دون أن توفر لهم أدنى درجات الحماية؟
وفي الوقت الذي يطالب فيه الجميع بوقف الحرب في كل ربوع السودان، تواصل الحكومة السودانية، بتنفيذ قرارات قسرية، تُهدد حياة آلاف السودانيين، وتُجبرهم على العودة، رغم ما يواجهونه من مخاطر، وأوضاع إنسانية مزرية. يتم القبض على الطلبة، والعُرسان، والأطفال، والنساء، بشكل تعسفي، ويتم ترحيلهم، دون مراعاة لأوضاعهم الصحية، أو الأسرية، أو الإنسانية. هل هذه هي المعاملة التي تليق بمواطن سوداني يعيش على أرض مصر؟!
وفي هذا السياق، نؤكد أنه إذا كانت العودة إلى البلاد ستعيد الحياة إلى طبيعتها، فإن الأوائل الذين يجب أن يعودوا هم مهاجرون تركيا، ورجال الأعمال، وداعمو الحرب المتواجدون حاليًا في القاهرة، وأفراد القوات الأمنية من ضباط وجنود من جيش وشرطة وجهاز أمن. هؤلاء هم من يجب أن يُعادوا أولاً، ليعودوا إلى وطنهم، ويعيدوا بناءه، ويعيدوا الاستقرار، أما المواطن المغلوب على أمره، الذي اضطر لترك وطنه وقُيدت حريته، فلن يُترك خلفه، ويُعاد قسرًا إلا إذا رغبت الحكومة في ذلك، وبتوفير حماية حقيقية له، وليس عبر ترحيل قسري يعرض حياته للخطر ويهدد كرامته.
نحن هنا لا نوجه اللوم بشكل كامل للمصريين، فهم استضافوا الأشقاء السودانيين بكل حب وكرم، وقدموا لهم يد العون، ولكن اللوم يقع على الحكومة السودانية التي لم توفر لهم مناخًا آمنًا، ولا وسائل لحمايتهم، وتركوا أبناء شعبهم يعانون ويواجهون المصير المجهول، وسط غياب تام للعدالة والاهتمام بحقوقهم.
لماذا يُعامل هؤلاء المواطنين بهذه الصورة المهينة، ويُسجنون ويُرحلون دون رحمة، وسط غياب تام لأي اعتبار لأوضاعهم الصحية أو الأسرية أو الإنسانية؟ لماذا يُفرض عليهم العودة، رغم أنهم يعانون من دمار منازلهم، أو يحتاجون إلى علاج، أو يواجهون مخاطر حقيقية في بلادهم؟ لماذا تُفرض عليهم العودة القسرية، وتُترك لهم أبواب العذاب مفتوحة، ويُجبرون على العودة رغم كل ذلك؟
نحن نؤمن أنه إذا كانت العودة إلى الوطن ستعيد الحياة إلى طبيعتها، فالأولوية يجب أن تكون للمهاجرين من تركيا، ورجال الأعمال، وداعمي الحرب في القاهرة، وأفراد القوات الأمنية من ضباط وجنود من جيش وشرطة وجهاز أمن، ليعودوا بداية، ويعملوا على استقرار البلاد، ثم يُعاد المواطن المغلوب على أمره قسرًا، إذا كانت لديه رغبة حقيقية في العودة. أما من يختار البقاء، فليُترك وشأنه، ولا يُجبر على العودة بالقوة، أو يُسجن ويُرحل دون مراعاة لظروفه الإنسانية.
وفي الختام، نؤكد أن الوطن لن يُبنى على قهر أبنائه، وأن الحرب ستتوقف، وكل سوداني سيعود إلى بلاده يوم تشرق فيه شمس السلام والكرامة، وليس قبل ذلك. حتى ذلك الحين، فإن كل من يعاني ويُرحل ويُسجن، هو ضحية الظلم، وهو جزء من معاناة شعب يُطالب بحقوقه، ويعيش أوجاعه، ويحتاج إلى وقفة إنسانية حقيقية.



