
عوض ابوشعرة
التصادم التاريخي بين شباب ثورة ديسمبر المجيدة ونظام الإنقاذ، منذ انطلاق شرارتها الأولى وحتى سقوط آخر جريح في شارع المطار بمليونية السادس من أبريل، قبل أسبوعين فقط من اندلاع الحرب، جعل فكرة التصالح مع الكيزان غير واردة، لأن الفجوة كبيرة والهوة سحيقة.
وواهم من يظن أن تلاقيا يمكن أن يحدث بين أضداد متعارضة الفكر، كالجمع بين الأختين. والمثل السوداني يلخص استحالة هذا التقارب بقوله: ” الضهر ما بشيل نفرين” . ويقيني أن الدعم السريع قد يتقارب مع الإسلاميين مرة أخرى، أما تقارب الثوار مع الكيزان فهو كمحاولة خلط الماء بالزيت، لا يمتزجان أبدا.
لن ينسى ثوار ديسمبر مشهد عشرات الملثمين من كتائب الإسلاميين وخفافيش الظلام، وهم يمتطون البكاسي البيضاء، يحملون الهراوات المدببة ليئدوا أحلام الشباب في مهدها، كأفيال عملاقة تدوس شتلات يانعة بدأت توا في الإزهار.
ولما علا موج الثورة وبلغ طوفانها أسوار القيادة العامة، حاولوا مرارا وتكرارا دحر الثوار وفض سامرهم من أمام القيادة، فخاب مسعاهم. ولا يزال أبناء ديسمبر يذكرون جيدا أحد رموز الظلام وقد لقي جزاءه العادل في حرب أبريل وهو يتوعد الثوار بكتائب الظل و خفافيش الظلام ، حتى بلغت غاية بني كوز منتهاها بفض الاعتصام.
وبصرف النظر عن جدلية ملف الفض، وهو في وعي الثوار وصمة عار لا تمحى، يبقى الإسلاميون هم المستفيد الأكبر منه.
وما لبثت ملامح ما سمي بمعركة الكرامة أن بانت كالشمس في رابعة النهار، منذ مواكب الكرامة المحمية بالعسكر، وتتويجها باعتصام الموز، ثم إجهاضها لحكومة المدنيين عبر انقلاب البرهان وحميدتي.
بعدها تمدد الإسلاميون في مفاصل الدولة، متحالفين مع شركاء الانقلاب من قوى انتهازية وطلاب سلطة، وصولا إلى حرب الكرامة التي قطعت الطريق أمام الاتفاق الإطاري، وحالت دون عودة القحاتة ألد أعداء الكيزان ولجنة إزالة التمكين بصلاحيات أوسع لاجتثاثهم، وهي التي كانت تملك جوابا لسؤال البديل منو؟
فكانت حرب الكرامة التي أخذت في غمرتها نفرا كريما من ثوار ديسمبر انخرطوا في أتونها المستعر، ليتحول ذلك التضاد التاريخي، الذي كانت تفصل فيه بين الثوار والكيزان بحور من الدماء وثارات لا تحصى، إلى تقارب مريب في خندق حرب الكرامة يدعو للعجب والدهشة.



