الأعمدة

من يوزع صكوك البراءة؟

كتب : أحمد_عثمان_جبريل
ليس السؤال اليوم من سيشارك في الحوار، بل من يملك حق تحديد شروطه. وليس السؤال من يُستثنى من الطاولة، بل من الذي نصب نفسه قاضياً على أبوابها.. فحين يخرج قائد سياسي أو عسكري ليعلن أن الحوار مفتوح للجميع إلا أولئك الذين تلطخت أيديهم بدماء السودانيين، فإن العبارة تبدو للوهلة الأولى أخلاقية وجاذبة ومطمئنة.. غير أن المأساة تبدأ عندما يتحول المعيار نفسه إلى سؤال أكبر من صاحبه: “ومن الذي يقرر ذلك؟ ومن الذي يقف خارج دائرة المساءلة حتى يوزع شهادات البراءة على الآخرين؟”.
“العدل ليس أن تحاكم خصمك، بل أن تقبل أن تُحاكم معه بالميزان نفسه.”
— ابن رشد
(1)
منذ اندلاع الكارثة السودانية، لم يعد الجرح يبحث عن خطيب، بل عن الحقيقة، ثم يد توقف هذا النزف.. الناس لا يسألون من يحق له الجلوس على الكرسي، بقدر ما يسألون:” كيف وصل الوطن إلى هذا الخراب؟.. كيف تحولت المدن إلى ساحات خوف، والبيوت إلى ذكريات، والمواطن إلى مشروع نزوح دائم؟” ..تلك هي الأسئلة التي تنتظر إجاباتها، لكنها كثيراً ما تُدفع إلى الخلف لصالح معارك جديدة حول الشرعية والتمثيل ومن يدخل ومن يخرج.
(2)
وفي العادة، حين تضيق الأنظمة أو السلطات بأسئلة المسؤولية، تسارع إلى تغيير موضوع النقاش نفسه.. فيصبح الجدل حول الأشخاص بدلاً من الوقائع، وحول المشاركين بدلاً من الأسباب، وحول شكل الطاولة بدلاً من الدم الذي سبقها.. وهكذا ينتقل النقاش من سؤال:” من يتحمل مسؤولية ما جرى؟ إلى سؤال آخر أقل إزعاجاً: من يحق له الكلام حول ما جرى؟”.
(3)
لكن المعضلة الأخلاقية لا تختفي بهذه السهولة. فإذا كان المعيار هو سلامة اليد من دماء السودانيين، فإن المعيار يجب أن يكون شاملاً وعادلاً ومجرداً من الانتقائية.. لا يجوز أن يكون سيفاً على رقاب البعض ودرعاً يحتمي به البعض الآخر.. فالعدالة التي تبدأ بالاستثناء تنتهي إلى الامتياز، والمعايير التي تُطبَّق على الخصوم وحدهم تفقد معناها الأخلاقي قبل أن تفقد قيمتها السياسية.
(4)
إن الإنسان السوداني الذي فقد منزله، أو ابنه، أو مصدر رزقه، لا يعنيه كثيراً من يكتب أسماء المدعوين إلى الحوار.. ما يعنيه هو أن يسمع اعترافاً صادقاً بحجم المأساة التي عاشها.. يريد أن يعرف كيف سيُحمى مستقبله، وكيف ستُصان كرامته، وكيف ستُرد إليه دولته.. أما قوائم الاستبعاد والقبول فلن تعيد وحدها طفلاً إلى مدرسته، ولن تمسح وحدها دمعة أم أنهكها الانتظار.
(5)
ولهذا فإن أي دعوة للحوار تكتسب قيمتها من استعداد أصحابها للخضوع للمعيار نفسه الذي يطالبون الآخرين بالخضوع له.. فالمصداقية السياسية لا تولد من القدرة على اتهام الخصوم، بل من الشجاعة في قبول المساءلة.. ومن يرفع راية العدالة ينبغي أن يكون أول من يقبل الوقوف تحت ظلها، لا أن يقف فوقها.
(6)
إن الأوطان الخارجة من الحروب لا تحتاج إلى أوصياء على الحقيقة، بل إلى حقيقة تتسع للجميع. لأن الحقيقة واضحة وضوح الشمس وتحتاج فقط إلى عدالة لا تُفصل على مقاس أحد، وإلى ذاكرة لا تُنتقى منها الوقائع، وإلى مصالحة تبدأ بالاعتراف قبل أن تصل إلى الاتفاق.. فالحوار الذي يتهرب من الأسئلة الكبرى قد ينجح في جمع المتحدثين، لكنه يعجز عن تضميد الجراح.
(7)
ولهذا يبقى السؤال معلقاً فوق المشهد كله: “هل المطلوب فعلاً بناء حوار وطني شامل، أم إعادة رسم حدود الشرعية وفق ميزان القوة؟ .. وهل الغاية البحث عن مستقبل جديد للسودان، أم إعادة إنتاج السرديات القديمة بوجوه جديدة؟”.. إن الشعوب التي دفعت أثمان الحروب لا تنتظر من قادتها أن يوزعوا صكوك البراءة، بل تنتظر منهم أن يقتربوا من الحقيقة بما يكفي ليعترفوا أن أحداً لا يملك حق احتكارها.
ففي نهاية المطاف، لا يُبنى الوطن بمن يقرر من يتكلم، بل بمن يملك الشجاعة ليسمع ما يحاول الوطن قوله منذ سنوات:” لا سلام بلا مساءلة، ولا حوار بلا عدالة، ولا شرعية تعلو فوق حق الإنسان في معرفة الحقيقة.. إنا لله ياخ.. الله غالب.

زر الذهاب إلى الأعلى